أهالي المديرة القتيلة وتلاميذها يتحدثون لـ «الشروق»: أغلقت المدرسة، ونكس العَلم، وبكى الجميع

Al Chourouk - 2008-02-29
Lu 588 fois

* قصر هلال ـ «الشروق»:
أثار موت المربية المرحومة سهام جعيدان على اثر تعرضها لاعتداء شنيع أثناء مباشرتها لمهامها كمديرة بولاية القيروان موجة من الاستنكار والاستياء الشديدين لا بين أهاليها وأقاربها بمدينة قصر هلال فقط وإنما بين عموم سكان هذه المدينة وبين كل الذين عرفوا الهالكة سواء من تلامذتها أو زملائها .
وقد ساهمت فظاعة الجريمة المقترفة في حقها في تغذية الشعور بالاستياء والامتعاض سيما وان قاتلها وهو حارس المدرسة، قد تجرّد من كل مشاعر الانسانية وأزهق روحها الطاهرة بطريقة جد شنيعة.
«الشروق» استطلعت آراء أقارب المرحومة وزملائها وأهالي مدينة قصر هلال وحاولت رصد شعورهم بعد وفاة هذه المربية الفاضلة.
يقول شقيقها شكري: «أنا مقيم بسويسرا وكنت منذ أسابيع في زيارة الى تونس وعندما وصلت اعترضتني شقيقتي سهام رحمها الله في المطار ثم قضّينا معا يومين في مدينة قصر هلال وكانت تلك آخر مناسبة رأيتها فيها وأنا الآن أحسّ بالغبن والحسرة وها أنذا أعود مجددا  الى تونس ولكن لمواراة جثمانها».
أما السيد فرج الشملي زوج شقيقة القتيلة، فيقول:
«لقد هدّت المصيبة أركان بيوتنا وحوّلت نهارنا وليلنا الى جحيم لم تقتل النار المرحومة سهام فقط بل قتلتنا جميعا. انا اعتبرها رحمها الله بمثابة ابنتي ولمّا تزوّجت شقيقتها كانت طفلة صغيرة تتقد حيوية ولما كبرت حافظت على طباعها الهادئة وأخلاقها العالية وأنا لم اجد تفسيرا لما حدث ولا أطلب من الله إلا ان يرزقنا الصبر وأن يرحمها».
ومن جهتها تقول رفيقة وهي شقيقة الهالكة:
«المصيبة كبيرة والى حدّ الآن لم أصدّق ما حصل، لقد كان لي اتصال هاتفي مع شقيقتي في الليلة التي سبقت وقوع الحادث وكانت خلالها تستحثني على إعداد الحلويات التي كانت ستوزعها في حفل ختان عدد من التلاميذ بمدرستها، لكن الحارس القاتل حرمها من لحظات السعادة التي كانت تعيشها، فقتل من أكرمته وساعدته ولا أطلب من العدالة سوى القصاص وحفظ حق شقيقتي رحمها الله». * مثال يحتذى
السيدة زينوبة معلمة وجارة الهالكة في مدينة قصر هلال تقول بتأثر: «عرفت المرحومة عن قرب، كانت مثال المربية الحالمة المجتهدة ولكن يبدو ان اجتهادها لم يرق للحارس فأحرقها وما حصل يدعو فعلا الى التفكير في حلول جذرية لتأزم العلاقة بين الحارس والمدير والزملاء ولو ان هذه الحادثة عرضية وشاذّة».
أما السيد عبد الحميد وهو زميل الضحية فيقول: «علمت بالحادثة منذ اليوم الأول فكانت صدمة بالنسبة إليّ وإلى زوجتي فقد كانت تربطنا علاقة وطيدة بعائلة المرحومة وبحكم عملنا في مدرسة واحدة عرفت سهام عن قرب فعرفت انها مثال المربية المتفانية في عملها.
وخلال المدة الأخيرة وبعد تكليفها بإدارة مدرسة سد بورقيبة كانت كثيرا ما تهاتفني للاستشارة حول هذه النقطة او تلك وهو ما يعني انها كانت تريد ان ترتقي بالمدرسة الى أعلى الدرجات ولكن للاسف نسف القاتل أحلامها ويتمّ أبناءها الثلاثة وأشاع الحزن واللوعة بين أفراد عائلتها وزملائها.
الى ذلك يقول السيد المنجي الزية وهو شقيق زوج الضحية: «كان وقع المصيبة شديدا على العائلة ولا أريد الغوص كثيرافي حيثيات الواقعة وكل ما أقوله ان المرحومة كانت تريد النهوض بالمدرسة من خلال ادخال الحركية والنشاط عليها، لكن القدر حرمها من هذا الطموح كلنا ثقة في العدالة.
ولعل ما خفّف عنا وطأة المصيبة هو التعاطف الكبير الذي لمسناه لدى كل أهالي مدينة قصر هلال والمساعدة الكبيرة التي لقيتها العائلة من قبل المسؤولين على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية وكذلك من قبل الإطار الطبي وشبه الطبي بالمستشفى العسكري بتونس وفي كلمة لا راد لقضاء الله ولا نرجو إلا الصبر وان يرحم الله الفقيدة». * دموع وأحزان
أما في القيروان فقد أغلقت المدرسة بسبب توجه كامل إطاراتها الى مسقط رأس زميلتهم حيث تم دفنها وكان حزن أهالي القرية الصغيرة وكل أهالي منطقة «سيدي سعد» كبيرا حتى ان الأطفال الذين كانوا يلعبون ويمرحون في منتزه «نخول» المقابل للمدرسة توقفوا عن اللعب، امس الخميس لم يكن كسائر الأيام في القرية وكذلك في المدرسة.
ففي الصباح لم يرفع العلم وبقي منكسا إكبارا وإجلالا لهذه المرأة المناضلة التي التحقت بركب الشهداء أو لعله هو نفسه يبكي فراقها كما بكى التلاميذ والمعلمون منذ ان تعرضت مديرتهم للاعتداء ونقلت الى المستشفى حتى سماعهم الخبر المفجع إذ ان كل تحية علم تعيد الى ذاكرتهم يوم الحادثة الأليم الذي تسبب في فقدان عزيزة عليهم.
وقد ذكر لنا بعض تلاميذ المدرسة ان المعلمين والتلاميذ لم يتمالكوا عن البكاء أثناء تحية العلم عندما سمعوا صباح أول امس الاربعاء نبأ وفاتها.
التلميذ أنيس يدرس بالسنة الخامسة وجدناه أمام المدرسة رغم اغلاقها وقد بدا عليه الحزن وهو يحدثنا عن مديرته قائلا: «أغلقنا المدرسة تكريما للمديرة لأننا نحبوها برشة وهي باهية تحب التلاميذ» وببراءة الأطفال قال زميله رائد وهو يختنق بغصة البكاء «افتقدناها توحشناها... وليت كل يوم نبكي عليها» وأما عن تعلق التلاميذ بها وأسبابه فكثيرة ومنها كما قال هؤلاء التلاميذ انها كانت توزع عليهم اللمجة اليومية والغلال وتقدّم لهم المساعدات المالية والثياب «وكانت تعطينا اللمج وتشريلينا الدبش وتعطي الثياب للفقراء» حسبما قال التلميذ مكرم.
التلاميذ قالوا لنا ايضا انها كانت تعد لتنظيم رحلة مجانية لفائدتهم الى الحمامات ونابل بعدما نظمت رحلة أولى الى منتزه «فريقيا».
كما كانت تعد لختان 16 طفلا من أبناء القرية على حسابها وقررت تقديم هدية قيمتها 50 دينارا لكل طفل منهم واشترت لهم الألبسة والأحذية ولم تنس «الفاكية» وذلك فضلا عن الأنشطة الترفيهية والتثقيفية التي كانت ستقيمها بمناسبة اليوم العالمي للمرأة والمهرجان الذي برمجت تنظيمه بالتعاون مع مدير مدرسة منزل المهيري بمناسبة عيد الاستقلال وقد جهزت له الجوائز والشهائد اما جارتها السيدة أم رائد فقالت ان الجيران «يبكون منذ حصول الحادثة ولا يذوقون الطعام وكانوا يدعون الله ان تنجو فهي امرأة وطنية وطيبة اكثر من اللازم اذ كانت تعين الناس وتواسيهم في محنهم وعندما توفي احد الأهالي تكفلت بكل الاجراءات والمصاريف».
كل الذين عرفوها لمسنا عندهم انطباعا حسنا عنها فسائق سيارة الأجرة الذي اقلنا وهو أصيل المنطقة قال لنا انها «انسانة طيبة وعلاقاتها مع كل الناس طيبة ووصفها بأنها خيّرة لا تتردد في فعل الخير».
الشيء نفسه ذكره لنا عامل بإدارة الفلاحة القريبة من المدرسة.
رحمها الله لقد توفيت في ريعان شبابها وأوج عطائها وكانت حنونا وانسانة معطاء وسندا وملاذا للتلاميذ ولأهالي القرية فمن لأطفالها وزوجها ومن لتلامذتها وجيرانها بعد موتها؟ * إعداد: مهدي خليفة وناجح الزغدودي



Février 2008
LMMJVSD
01 02 03
04 05 06 07 08 09 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29
<< >>