دراسات قانونية: الأساس القانوني لسقوط الدعوى بمرور الزمن والتقادم المسقط
Al Chourouk - 2008-08-08Lu 14431 fois
* بقلم الأستاذ: حسن الذيب (المحامي لدى التعقيب)
لقد أثار تطبيق المادة 115 والمادة 402 من مجلة الالتزامات والعقود جدلا كبيرا بين رجال القانون بصفة عامة وفي فقه القضاء بصفة أخصّ وذلك لما يبدو من تناقض في الظاهر لهذين النصين:
الفصل 115 من (م.ا.ع) فقرة أولى، اقتضى ما يلي:
(يسقط القيام بغرم الخسارة الناشئة عن جنحة أو ما ينزل منزلتها بمضي ثلاثة أعوام من وقت حصول العلم للمعتدى عليه بالضرر وبمن تسبب فيه....).
في حين ان الفصل 402 من (م.ا.ع) جاء ناصا على:
(كل دعوى ناشئة عن تعمير الذمة لا تُسمع بعد مضي خمس عشرة سنة عدا ما استثنى بعد وما قرره القانون في صور مخصوصة).
ـ وحيث ان مجال تطبيق هذين الفصلين أدى الى طرح عدة إشكالات قانونية خاصة في قضايا حوادث المرور وتحديدا في خصوص مسألة الأجل الواجب ضبطه للقيام بقضايا جبر الضرر البدني والمادي (CORPOREL ET MATERIEL) الناتج عن حوادث المرور في إطار القضايا المدنية.
ـ وحيث تجدر الاشارة أنه في حقيقة الامر والواقع وفي خصوص هذه المسألة هنالك على الأقل اتجاهان متناقضان:
فالاتجاه الاول يعتبر ان الدعوى المدنية الهادفة الى جبر الضرر الناتج عن حادث مرور او عن الجنحة مهما كان مأتاها لا يمكن القيام بها الا في أجل الثلاث سنوات المحدد بالفصل 115 من (م.ا.ع) مهما كان سند القيام معنى ذلك أن الدعوة تسقط بمرور 3 سنوات في جميع الصور بدون أي تحديد ومهما كان سند القيام اي الفصل 82 من (م.ا.ع) او الفصل 83 من (م.ا.ع) او حتى الفصل 96 من (م.ا.ع) او الفصل 92 من (م.ا.ع) او الفصل 93 من (م.ا.ع).
أما الاتجاه الثاني فهو يعتبر انه طالما كانت الدعوى المرفوعة أمام القضاء دعوى مدنية فإنه لا مجال للتمسك بأحكام الفصل 115 من (م.ا.ع) وان الفصل 402 من (م.ا.ع) الذي نص على المدة الطويلة هو المنطبق معنى ذلك ان حتى الدعاوى المدنية التي أساسها الجنحة او شبه الجنحة حوادث المرور او غيرها والتي تهدف الى جبر الأضرار البدنية او المادية (CORPOREL OU MATERIEL) تخضع من حيث آجال السقوط الى المدة الطويلة اي أحكام الفصل 402 من (م.ا.ع) ناهيك وان الفصل 115 من (م.ا.ع) نص في فقرته الثانية على اجل 15 سنة لسقوط الدعوى من وقت حصول الضرر.
ـ وحيث ان هذا الاختلاف المنتشر بين العديد من رجال القانون والذي دعمه فقه قضاء محاكمنا بصدور العديد من القرارات المتباينة في خصوص مجال تطبيق أحكام الفصلين 115 و402 من (م.ا.ع).
ـ وحيث ولئن كان في الظاهر هذا الاختلاف ممكنا ومقبولا أحيانا لأن في أغلب الأحيان يتعلق الامر بجبر أضرار بدنية لمتضرر في حوادث الطرقات تكون غالبا ذات أهمية وتنبثق من هنالك نزعة انسانية واجتماعية لدى الكافة ويحاول كل من المحامي والقاضي تمكين المتضرر الذي لأسباب عدة لم يتمكن من رفع دعواه في الأجل الأول (أجل الثلاث سنوات) المحدد بالفصل 115 من (م.ا.ع) أن يكون مرنا ويلجأ الى تطبيق أحكام الفصل 402 من (م.ا.ع) اي الفصل الخاص بالالتزامات وشبه الالتزامات بصفة عامة ليمكن المتضرر من الحصول على بعض الغرامات جبرا عن الأضرار اللاحقة به للتخفيف عليه من هول المصيبة التي حلت به.
ـ وحيث ان هذا التعليل او التبرير يقابله من جهة حق شركة التأمين التي لها كذلك الحق في الدفاع عن حقوقها وان تتمسك بالفصل 115 من (م.ا.ع) دون سواه لتطالب عند الاقتضاء بالحكم بعدم سماع الدعوى لسقوطها بمرور الزمن في صورة انقضاء أكثر من 3 سنوات على رفع الدعوى من وقت حصول العلم للمعتدى عليه بالضرر وبمن تسبب فيه.
ـ وحيث ومهما كان الاختلاف الحاصل بين رجال القانون في خصوص تأويل الفصلين 115 و402 من (م.ا.ع) ومهما اختلفت مصالح الأطراف المتنازعة فإنه كان ولابد ان يكون هنالك على الأقل موقف واضح من هذين الفصلين 115 و402 من (م.ا.ع) حتى نضمن علوية القانون ونحقق العدل بين جميع الأطراف مهما كانت مراكزهم في الخصومة بعيدا عن العواطف خاصة وان الاختلاف المطروح هنا سهل الحل اذا أخذنا بعين الاعتبار مقصد المشرّع وخاصة الأساس القانوني الذي انبنى عليه النص فالحل اذن يكمن في تحديد الأساس القانوني الخاص لكلا النصين موضوع هذا البحث.
ـ وحيث ومن هذا المنطلق ولحسم هذا الاختلاف والتوصل الى الرأي القانوني الحكيم فإنه يجب الرجوع الى مصدر الالتزام في كلتا الفصلين 115 و402 من (م.ا.ع) وأخذه كمعيار أساسي للوصول الى تأويل سليم للنصين.
فبالرجوع الي الفصل 115 من (م.ا.ع) يتضح وأن مصدر الالتزام هنا هو الجنحة وشبه الجنحة وهذا يبدو واضحا من منطوق الفصل المذكور إذ تضمن أن الخسارة الناشئة عن الجنحة أو ما ينزل منزلتها تسقط بمرور 3 أعوام وعليه فإنه يمكن القول هنا إن معيار انطباق أجل الـ3 أعوام للتمسك بسقوط الدعوى بمرور الزمن هي الجنحة أو شبهها فدعوى التعويض المرفوعة أمام المحكمة يجب أن تكون مبناها أو ناتجة عن جنحة أو شبهها لتطبيق أحكام الفصل المذكور والمثال الأكثر انتشارا هنا هي قضايا التعويض عن حوادث المرور.
ـ وحيث يتبيّن مما سلف بسطه أن أجل سقوط الدعوى في القضايا المدنية الهادفة لجبر أضرار بدنية أو مادية ناتجة عن الجنحة أو شبهها بصفة عامة وعن حوادث المرور بصفة خاصة تسقط بمضي 3 سنوات من وقت حصول العلم للمعتدى عليه بالضرر وبمن تسبب فيه عملا بأحكام الفصل 115 من (م.ا.ع) ولا مجال للتمسك بآجال السقوط الطويلة المنصوص عليها بالفصل 402 من (م.ا.ع).
ـ وحيث وعلى خلاف أحكام الفصل 115 من (م.ا.ع) فإن الفصل 402 من (م.ا.ع) جاء ناصا على سقوط الدعوى الناشئة عن تعمير الذمة في بحر 15 سنة معنى ذلك أن الدعوى المعنية بهذا السقوط هي الدعوى التي مبناها ومصدرها الا لتزام أي الإرادة كالعقد وشبه العقد.
ـ وحيث يتضح إذن أن الدعاوى المعنية بالسقوط المنصوص عليه بالفصل 402 من (م.ا.ع) هي كل العقود المبرمة بين المتعاقدين كعقود البيع مثلا وشبه العقود المنصوص عليها بالفصول 71 و72 و73 من (م.ا.ع) والمتعلقة بالانتفاع عن جهل بعمل غيره أو بشيء من ماله بلا وجه وخلاص دين خطأ والحال أنه ليس بمدين وكذلك من اتصل بشيء أو غير ذلك من الأموال وهو لغيره وصار في قبضته بلا سبب موجب.
ـ وحيث أن التقادم المسقط قرينة قانونية قاطعة ينقضي الالتزام بمجرد قيامها و لذلك لم يربط المشرّع الآجال المحدّدة لحصوله بنوع الدعوى التي تسقط بمضيها وإنما ربطها بمصدر الالتزام ذاته فإن كان مصدر الالتزام الارادة (عقد أو شبه عقد) انقضى الالتزام بالمدة المحددة بالفصل 402 وغيره من (م.ا.ع) أو بأي نص قانوني آخر يتعلق بالالتزامات الارادية أو شبهها وإن كان مصدر الالتزام فعلا ضارا (جنحة أو شبه جنحة) انقضى الالتزام بأحد الأجلين المنصوص عليهما بالفصل 115 من (م.ا.ع) أو بأي أجل آخر يحدده القانون لانقضاء الالتزامات القانونية.
وهو ما انتهت إليه محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في قرار مبدئي أصدرته تحت عدد 5603 بتاريخ 26 01 ـ 2006 يمكن اعتباره قرارا حاسما في خصوص هذه المسألة التي تناولناها بالدرس إذ كان رائعا من حيث التحليل القانوني العميق والمقنع.
وفي الختام فإنه يمكن القول إن قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب تبقى دائما وأبدا مصدرا هاما من مصادر القانون ترفع اللّبس والاختلاف وتهدف لإنارة السبيل لدى الكافة سعيا لتحقيق العدالة التي نصبو إليها جميعا.