فاجعة المتبسطة (القيروان): قبل سويعات من العيد، رحلت وفاء والسبب سلك كهرباء
Al Chourouk - 2008-10-04Lu 725 fois
* المتبسطة (القيروان) ـ الشروق :
في صبيحة العيد ترتدي هدى وشقيقتها التوأم سناء (9 سنوات) ملابس العيد وتخرجان لعبهما لتلعبا... تعوّدتا اللعب والمرح مع شقيقتهما الصغرى وفاء (8 سنوات) صبيحة كل عيد.
هذا العيد لم تلعبا ولم تلبسا ملابس العيد ولم تمرحا مع شقيقتهما... لأن وفاء غادرت الحياة قبل سويعات من الاحتفال بالعيد، وبقيت ملابسها في الخزانة ولعبها في العلب... وغابت الضحكات عن المنزل وحلت أحزان النكبة والعبرات.
حدثت هذه المأساة في «المتبسطة» (ولاية القيروان) وقد تابعناها في هذا النقل:
لم يكن من الصعب التعرف الى منزل العائلة المنكوبة، فالفاجعة أدمت القلوب وتناقلتها الألسن في معتمديات القيروان وربما خارجها.
وتفيد المعطيات الاولية التي استقيناها عن الحادثة ان الطفلة وفاء (8 سنوات) صعدت الى سطح المنزل رفقة شقيقتها هدى (9 سنوات) وابن عمهما فراس (4 سنوات) وفي يدها مكنسة بهدف ازالة المياه الراكدة فوق السطح جراء نزول الأمطار حسب ما تعلمته من والدتها حتى لا يتآكل السقف.
لاحظت «وفاء» في الأثناء سلكا كهربائية ممتدا فوق بعض المياه الراكدة فطلب منها فراس الذي كان ممسكا بمكنسة هو الآخر أن تبعد السلك عن طريقهما حتى يتسنى دفع الماء بيسر.
* تتخبط في الماء
تروي هدى أن شقيقتها «وفاء» مدت يدها وأمسكت السلك بأطراف أصابعها وألقت به جانبا. وذكر عمّ الهالكة السيد حسن ان ذلك السلك موصول بين الجرس (وسط المنزل) والزر (المثبت عند الباب الخارجي) وقد تم تمريره عبر السطح في وقت لاحق وتم ربطه ولفه بملصق ظنا ان الخطر سيزول بتلك الطريقة.
وعندما ألقت وفاء بالسلك، وقع في المياه الراكدة حيث كانت تقف فصعقها الكهرباء قبل ان تلقي بها أرضا فراحت تتخبط وسط المياه. وعندما شاهد الطفل فراس ابنة عمه وما فعل بها السلك الكهربائي صرخ بأعلى صوته واستنجدت شقيقتها بالاهل، فهرع جميع الحاضرين لاستجلاء الأمر وقفز حسين (23 سنة) الى أعلى السطح يستطلع الأمر فوجد بنت أخيه ترتعش وقد تغير لونها نحو الزرقة فأسرع بها نحو المستشفى وداس على عجلات الشاحنة بأقصى سرعتها أملا في انقاذها. كل ذلك والوالد «المنصف» خارج المنزل في طلب بعض لوازم العيد لا يعلم ما يدور وسط عائلته.
* أمل وألم...
وحال وصوله المستشفى الجهوي (الأغالبة) وهو يمسك الطفلة بين ذراعيه لا يعلم ان كانت لا تزال على قيد الحياة أم لا، تلقاها الاطار الطبي وتم إخضاعها للفحص الآلي وتداول على فحصها طبيبان (حسب قول العمّ حسن) لكن بعد مرور خمس دقائق ثقيلة بين الخوف والرجاء جاء خبر وفاة وفاء.
الشاب حسين لم يستوعب الموقف وكان شديد الحرقة على فراق من يعتبرها فلذة كبده، ويقول انه اعتقد ان الطفلة كانت حية ترزق عندما دخل بها المستشفى في حين أكد له الأطباء انها وصلت مفارقة الحياة، صدمة حسين ربما جعلته لا يميز بين الموت والحياة. كما انه بقي في حيرة كيف يخبر والدتها التي تركها على بكائها ودعائها وكيف يخبر والدها الذي جاء لتوّه من عمله ببلد أوروبي وجاء محملا بالشوق الى أطفاله وفي يديه ملابس ولعب العيد... من سيستقبله ويفتح له الباب كما تعودت وفاء ان تستقبله بالقبل والعناق والبشاشة والبراءة لمن سيهدي علبة «الشيكولاطة»... كل هذه التساؤلات هاجت في رأسه وسافرت به بعيدا، لكنه في آخر الامر تقبل قضاء الله...
* في المقبرة
لم يكن من السهل على الوالدين تقبل خبر وفاة زهرة حياتهما. فقد اهتز فؤاد الأم (30 سنة) عند سماعها الخبر وكانت أول من قفز من مكانها لكن ساقيها تعثرتا فلم تلبث الا ان رأت فلذة كبدها بين أحضان عمها وهي ترتعش، تمسكت بها الأم لكن حزم عمها وعزمه على نقلها الى المستشفى ترك الوالدة بين حرقة القلب والتضرع الى الله بعيون دامعة لم تزل عليهما حتى جاءها خبر انقطاع الرجاء لتضاعف النحيب وهل تكفي الدموع لتطفئ نار الفراق!
أما الوالد المنصف الفطناسي (40 سنة) الذي كان خارج المنزل ساعة الواقعة فقد تلقى خبر الوفاة عبر الهاتف. شعر اذاك بالذهول وتجمد الدم في عروقه وارتعش الهاتف في يده، هذا الجهاز الذي طالما كان همزة الوصل الوحيدة بينه وبين مدللته، كان يصله عبره أعذب الأصوات وأدفأ الكلمات «بابا»، أما اليوم فها هو ينقل خبرا هو من أحزن الاخبار.
بحثنا عنه ورغبنا في لقائه لكنه لم يكن بالمنزل. منذ رحيل وفاء أصبح السيد المنصف يمضي طوال اليوم في المقبرة يعد مثوى كريمته الاخير ويستأنس بوجوده قربها. وكيف له ان يدخل المنزل وقد غابت عنه ريحانة قلبه جاء لقضاء العيد مع عائلته محملا بالشوق لبناته والرغبة في شحن نفسه من دفء العائلة.
الصيام متواصل في المنزل.. عزوف عن الاكل والبكاء أكبر عزاء.
أما الشقيقتان التوأم فقد حرمتا متعة اللعب ولبس الثياب الجديدة قد تكونان غير مستوعبتين فقدان شقيقتهما وصديقتهما لكن حزن العائلة أفقدهما براءة اللعب والضحك.
كتب وكراسات ولعب وفاء سيشتاقون لأنسها كما سيشتاق اليها أصدقاؤها في المدرسة ومعلموها.
* متابعة ناجح الزغدودي