مأساة رجل أعمال غدر به رئيس فرع بنكي: 37 سنة سجنا وإفلاس تام وإعاقة عضوية
Al Chourouk - 2008-10-26Lu 608 fois
* تونس ـ «الشروق»:
كان مثقلا عندما لاقيته: جسد عليل تنقله قدمه المعوقة بصعوبة رأس طأطأتها الهموم، قلب تتزاحم عليه الأمراض والإحساس بالقهر. وذراع تتأبط ملفا ضخما يلخص حياة رجل أعمال ناجح في كندار (ولاية سوسة) خانه مدير فرع بنكي في النفيضة وسبب له مصيبة يصعب تحملها:
37 سنة سجنا ـ إفلاس تام ـ أمراض خطيرة ـ إعاقة عضوية ـ انقطاع جميع الأبناء عن الدراسة..
اسمه «الصغير السعيدي» وعمره 57 سنة كدت أشك في الأمر قبل ان أطلع على وثائقه الرسمية فملامح هذا الكهل الذي غادر السجن حديثا توحي بأنه تجاوز عتبة الستين بسنوات (على أقل تقدير).
شرع أمامنا في التخلص من ثقله: ألقى بجسده على كرسي ومدّ قدمه المعوقة ليريحها ووضع ملفه المكوّم بالمستندات والأحكام والاختبارات جانبا.
لم تبق غير الهموم التي تثقل رأسه فحاول التخفيف منها بالحديث واختار أن تكون البداية أواسط التسعينات من القرن الماضي.
كان حتى ذلك التاريخ رجل أعمال في مدينة كندار مفعما بالحيوية لم يحصر أعماله في مجال واحد بل وزعها على الفلاحة والتجارة.
أسس مؤسسة تجارية في القيروان ثم افتتح محلات تجارية في مدن القيروان ونابل وكندار وانتدب 12 عاملا واقتنى 3 سيارات وارتفع رقم معاملاته الى 660 ألف دينار.
ظلت أحلامه تكبر يوما بعد آخر، يعتدل السيد «الصغير» في جلسته يصمت لحظة كمن يريد ان يقطع بين حالتين ثم يذكر أن مأساته انطلقت سنة 1997 كانت جل معاملاته التجارية تتم عبر الصكوك البنكية وقد فوجئ برجوع بعضها دون خلاص لعدم توفّر الرصيد الكافي في حسابه.
شرع في جدولة ديونه وتغطية النقص في الرصيد والبحث في الآن ذاته عن أسباب النقص والحال أن الأموال التي يرسلها او يسلمها الى الفرع البنكي تكفي لتغطية اي نقص لكن الإشكال تواصل دون أن يعرف السبب فتم إيقافه يوم 10 ديسمبر 1997 ثم تمت محاكمته في قضايا عديدة تتعلق بإصدار صكوك دون رصيد ثم تمت إدانته والحكم عليه بالسجن مدة 37 سنة.
* خانه صديقه
ضغط السيد «الصغير» بإبهامه وسبابته على جبينه ثم رفع نظاراته الطبية ليفرك عينيه الضيقتين.. لم يقصد مسح دموعه وكان يجهد نفسه على تجميع المعلومات.
عاد بومضة ورائية ثانية الى ما كان يحدث قبل ايقافه كان على علاقة صداقة برئيس فرع بنكي (حيث فتح حسابه) كان يستضيفه في منزله بكندار ثم يسلمه المبالغ المالية ليودعها في حسابه البنكي (حساب السيد الصغير) حتى يغنيه مشقة التحول الى الفرع البنكي في النفيضة لكن اتضح له أن جميع تلك المبالغ لم تودع بحسابه ولم يجد وسيلة لإثبات صحة روايته غير شهادة واحدة ذكر فيها صاحبها لاحقا أن رئيس الفرع البنكي اتصل به وهو يحمل مبلغا ماليا في كيس بلاستيكي وأعلمه أنه تسلمه من السيد الصغير ليودعه في حسابه لكن العملية لم تتم والأغرب أن المبالغ المالية التي أودعها السيد «الصغير» بنفسه في الفرع البنكي قد تم تحويلها الى حسابات أشخاص آخرين لا تربطه بهم أي علاقة. وقد انسحب الأمر ذاته على المبالغ التي أودعها برصيده لتغطية النقص (في إطار تسوية وضعية الصكوك الراجعة دون رصيد).
وقد قدّم شكواه في الغرض ضد رئيس الفرع البنكي مؤكدا ان جملة المبالغ المالية المستولى عليها لا تقل عن 160 ألف دينار.
كما قدّم مطلبا في استئناف الأحكام الصادرة ضده (قضايا الصكوك دون رصيد) والتمس انتظار ما تسفر عنه الأبحاث والتحقيقات في شكواه التي رفعها ضد رئىس الفرع البنكي.
* «لم يحضر المحامي»
أثبت أحد الخبراء المكلفين بمراجعة الحسابات البنكية وجود «عمليات بنكية غامضة وتفتقد الى تفسير» واستيلاء آخر على «مبالغ مالية من خلال الصكوك غير الخالصة (Les impayés) واستيلاء آخر «من خلال استخلاص مصاريف الإعلام» ليكون المبلغ الجملي المستولى عليه أكثر من 56 ألف دينار ولهذا تم إيقاف رئىس الفرع البنكي وإدانته بجريمة الخيانة المجردة يوم 8 فيفري 2001 والحكم عليه بالسجن مدة سنة ونصف.
ثم تقرر هذا الحكم استئنافيا يوم 12 جوان 2001 «لم يبق لي غير الاستظهار بهذا الحكم الاستئنافي البات لدى دائرة الاستئناف المكلفة بالنظر في قضايا الصكوك لكن محاميّ لم يحضر طيلة 4 جلسات ولم يقدّم الحكم الاستئنافي المذكور فقررت دائرة الاستئناف (في قضايا الصكوك) جملة الأحكام الصادرة ضدي (37 سنة سجنا).
قالها السيد الصغير بمرارة قبل ان يكشف عن تبعات تورطه، فقد أدى إحساسه بالمرارة الى اصابته بعدد من الأمراض الخطيرة أهمها أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وعدم استقرار نسبة السكر في دمه (المراوحة بين الارتفاع الحاد والانخفاض الحاد).
وقد اضطرت إدارة السجن الى معالجته في أحد مستشفيات سوسة لكنه سقط في إحدى الزيارات وأصيب على مستوى قدمه فعاد من المستشفى الى السجن بإعاقة عضوية (تثبتها التقارير الطبية وبطاقة معوق) لكن ما خفف عنه مصيبته أنه فاز خلال ماي الماضي بعفو رئاسي فغادر السجن ليقف على واقع غير الذي تركه (قبل تورطه).
* من النقطة الصفر
«وجدت أسرة شبه مشرّدة... انقطع جميع أبنائي عن الدراسة خلال الفترة التي قضيتها في السجن».
ويضيف بحسرة «تركت بعض الديون لدى التجار الذين كنت أتعامل معهم فاتضح لي حاليا أن بعضهم توفي وبعضهم الآخر غيّر مقر اقامته ونشاطه وبعضهم الآخر أفلس» صمت طويلا ثم نطق «لم يبق لي شيء» لكنه يستدرك ليثني على تعاطف أغلب معارفه مع مأساته وتسابقهم للرفع من معنوياته ثم يوجه تحيته الى السيد معتمد كندار الذي استقبله في مكتبه ووعده بمساعدته على تجاوز محنته والانطلاق من جديد.. ولو من النقطة الصفر.
* عادل العوني