قصّة رضيعة حيّة في دفاتر البلدية، ميّتة في أرشيف المستشفى ولا أثر لها في سجلّ المقبرة !

Al Chourouk - 2008-10-31
Lu 565 fois

* تونس ـ «الشروق»:
عندما تنقلب الفرحة رأسا على عقب، ليصبح اليأس هو القاعدة والسعادة هي الاستثناء، تكون قصة محمد عامر (عامل البناء) الذي ترك عمله في حين وجدت زوجته يسرى طريقها الى مستشفى الأمراض النفسية بسبب رضيعتهما مريم التي جاءت الى الدنيا يوم 2 جوان الفارط وإن كانت حيّة فسيكون عمرها 6 أشهر.
مريم الرضيعة التي ماتزال حيّة في دفاتر البلدية لكنها تحمل شهادة وفاة بدفاتر المستشفى.
ولم يعثر على هويتها بدفاتر الحالة المدنية بمقبرة الجلاز.
قصة مريم ماتزال جارية بين أروقة البحث بعد أن تقدمت العائلة بعريضة لدى وكالة الجمهورية بتونس للبحث عن مريم حيّة كانت أو رفاة.
وإذا كانت الرضيعة مريم حيّة فمن هي الرضيعة التي سجلت متوفاة بدفتر المستشفى واذا كانت مريم توفيت فعلا بعد يوم من ولادتها (كما تؤكد شهادة الوفاة) فكيف لأبويها أن يكونا شاهداها حيّة بعد ذلك التاريخ.
وإذا دفنت فلماذا لم يعثر على هويتها في دفاتر الحالة المدنية بمقبرة الجلاز. * فجيعة الحيرة!
«... لا أريد اي شيء في هذه الحياة سوى أن اكتشف الحقيقة.. اذا ماتت فلذة كبدي فأريد ان أشمّ رفاتها... أريد أن أجثو على قبرها وأمنحه  عنوانا..» بهذه الكلمات المعبّرة وبصوت مبحوح ووجه شاحب وعينان دامعتان تحدث الأب «محمد صدّيق» لـ «الشروق» قادما من تستور لزيارة زوجته في المستشفى وقد اثقلت كاهله هموم الأشهر الستة التي قضاها بين أروقة المستشفى باحثا عن مخرج لمأساته التي حطمت سعادة اسرته الصغيرة خاصة وأن الانهيار العصبي الذي أصاب زوجته الشابة انتهى بها الى مستشفى الأمراض النفسية، حيث تحولت الى نزيلة دائمة. مضيفا «لقد حملت زوجتي بطفلتنا الثانية في أحشائها طيلة 9 أشهر، فرحنا بكون المولود سيكون من جنس الإناث حتى تؤنس وحدة شقيقتها وحين أنتاب المخاض زوجتي نقلتها الى المستشفى الجهوي بتستور ومنه تم نقلها الى العاصمة وذلك بتاريخ 1 جوان وفي فجر اليوم الموالي وضعت زوجتي طفلتنا بعد عملية قيصرية وأطلقنا عليها اسم مريم..».
يسكت الأب الملتاع لحظات وكأنما يسترجع شيئا مهما: «لقد زرت زوجتي بعد ان وضعت صغيرتنا وسألتها عن الطفلة فمكنّتني من السوار الذي يحمل رقمها والذي استظهرت به للطبيب حتى مكنني من رؤيتها، بعد ان تم نقلها الى القسم (أ) ووضعها في «الحاضنة الطبية» «كوفاز» حتى يكتمل نموّها... لقد رأيتها رغم صغر حجمها فقد كانت تتحرّك كالملاك، عدت لزوجتي في غرفتها وطمأنتها على فلذة كبدنا خاصة بعد ان أكد لي الفريق الطبي أنها بخير وأنها ستبقى في «الحاضنة الطبية» الى حين اكتمال نموها.
تنهد السيد محمد قبل ان يواصل كلامه: «يوم 4 جوان سمح الطبيب لزوجتي بالمغادرة ومكنونا من السوار الذي يحمل رقم طفلتنا حتى نزورها في الايام الموالية، عدنا أدراجنا الى مسقط رأسنا بتستور ولم أتمكن من الرجوع الى العاصمة الا يوم 11 جوان بحكم عملي الذي هو مصدر قوت عائلتي.. يومها ذهبت مباشرة الى المستشفى واستظهرت بالقلادة لكنهم أعلموني بأن طفلتي ماتت يوم 7 جوان وأن المستشفى تعهد بعملية دفنها. لم أرغب في شيء حينها سوى معرفة قبرها لأزورها واترحم على روحها الطاهرة واتصلت بعون الاستقبال للحصول على شهادة الوفاة لكني صدمت حين وجدت ان رضيعتي مسجلة ميتة بدفاتر المستشفى بتاريخ 3 جوان كيف يعقل هذا جن جنوني، لقد رأيتها يوم 4 جوان سليمة فكيف تكون ميتة بالدفاتر بحثت حينها في الدفاتر لمعرفة تاريخ دفنها وبدفاتر الدفن وحتى تلك الموجودة بقسم الحالة المدنية بالجلاز لم يعثر على اسم ابنتي ولم يعثر على ما يفيد بأن المستشفى دفن أجنّة في تلك الفترة». * أين طفلتي؟
... يواصل الأب رواية قصته مع الألم: «لقد انتابتني حالة من الفجيعة ولم أفهم، اذا ماتت رضيعتي فكيف يسجل تاريخ الوفاة قبل موتها، وإذا دفنوها فأين الوثائق القانونية لإذن الدفن وأين هو القبر الذي واروها فيه التراب، لقد استخرجت مؤخرا مضمون ولادة وتبيّن من خلاله ان ابنتي قانونا حيّة فكيف دفنت؟ يوم ولدت زوجتي بالمستشفى جاء الى الدنيا رضيعان آخران..
لقد فقدت عائلتي سعادتها فابنتي البكر في رعاية جدّتها (19 شهرا) وزوجتي لم تحتمل الصدمة ، صدمة أن تكون ابنتها حيّة فوجدت حالتها النفسية نهاية بالاقامة بمستشفى الأمراض العقلية.. إنها لا تنام... تسمع بكاءها كل ليلة في خيالها..
لقد اشتكيت لوزارة الصحة التي فتحت مشكورة تحقيقا داخليا وتقدمت بعريضة لدى وكالة الجمهورية حيث اعلموني ان احدى الفرق المختصة ستتعهد بالحادثة... لا أريد شيئا... أريد معرفة الحقيقة وسرّ تدوين هوية ابنتي ميتة وهي حيّة... وإن كانت ماتت فعلا أريد معرفة قبرها... أريد اجراء الاختبارات الجينية لأتعرف الى رفاتها... حينها ستشفى زوجتي وستغادر المستشفى وسيعود لها عقلها حينها ستعود أسرتي الصغيرة عائلة من جديد..
من جهتنا ها أننا بلّغنا صوت الأب محمد بكل أمانة علما وأن كل الوثائق المدعمة لكلامه موجودة على ذمة من يهمّه الأمر. * سميرة الخياري كشو



Octobre 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05
06 07 08 09 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31
<< >>