في «حي زيتون الحمامي» بالقيروان: معوقان من أسرة واحدة تحالف عليهما المرض والفقر
Al Chourouk - 2008-11-04Lu 593 fois
* القيروان ـ الشروق
اقترب منا وهو يحبو على الأرضية الاسمنتية لم يكن رضيعا فعمره بلغ العام العاشر... أدمى قلوبنا بهيأته وملامحه فقد تآكلت بشرة وجهه وبرزت عيناه رغم ذهاب البصر عن إحداهما.
أشار بيديه وأصدر أنينا يشبه الصراخ دون أن يقدر على النطق فهمت والدته إشارته فأخبرتنا أنه يطلب طعاما.
هكذا وجدنا حسان داخل غرفة وسخة في حي زيتون الحمامي بالقيروان لكن والديه المشفقين من تدهور حالته (تحوله إلى أعمى) ينظران بعين الخشية ذاتها الى صغيرهما الآخر ريان لأنه قد يلاقي مصير أخيه.
المأساة داخل هذه الأسرة نتيجة مباشرة لتحالف الفقر المدقع بالأمراض النادرة فحسان (10 سنوات) وشقيقه الأصغر ريان (3 سنوات) حالتان فريدتان من حيث نوعية الاعاقة والحاجة الى الرعاية بسبب خصوصية المرض وتعدد الإعاقات التي يحملانها وقد زادهما مرض الحساسية من الشمس والغبار معاناة ذهب المرض بعين حسان وراح يهدد العين الأخرى بينما يهدد صحة شقيقه ريان.
لم يكن الأب عبد الباقي الجلاصي (37 سنة) يعلم أن زواجه من منية (34 سنة) ابنة عمته سيؤول إلى هذا الوضع المأساوي.
عندما أنجبا فرحا بنعمة الابن البكر ولد قصير القامة نحيفا على غير ما هي عليه حالة أترابه لكن تقبله الزوجان بالسرور والبهجة.
وعندما حملت السيدة منية بمولودها الثاني، حسان، بعد أربع سنوات كانت مستعدة لتهبه العطف والحنان رغم شح الظروف، كان حسان جميلا بهي الطلعة مكتملا فاطمأنت وزوجها وتبدد خوفهما مما يثير المخاوف من مرض وراثي متخف قد يكون بسبب صلة القرابة التي تجمعهما.
وبعد أشهر انقلبت حال الرضيع حسان وتدهورت صحته وتغيّر لونه وظهرت عليه علامات مرض يعرف بحساسية ضوء الشمس ثم تضاعفت وتطورت لتؤدي به الى اعاقات متعددة في مداركه وحواسه وأطرافه فشوهت وجهه إلى حد اصابة عينه اليسرى بالعمى لم تفلح العمليات الجراحية على كثرتها في انقاذها بينما يخشى والداه أن تتضرر عينه اليمنى.
القصة لم تنته فقد رزقت العائلة بطفلها الثالث ريان البالغ من العمر سنوات كان بمثابة نسخة مطابقة من حيث الاعاقة والمعاناة.
وذكر الوالد أن تلك الحساسية تبدأ ببروز «النمش» ثم تتحول الى التهابات مفرطة تنتج عنها تآكل البشرة وتغير لونها وهي تطال كل ما يتعرض إلى أشعة الشمس من جسم الطفلين.
* «حفاظات»
قريبا يبلغ حسان عامه العاشر (يوم 6 ديسمبر) إلا أنه لا يزال يحتاج الى حفاظات شأنه شأن شقيقه ريان إلا أن الأهم من تلك الحفاظات لدى والده العاطل هو ذلك المرهم الخاص بمعالجة الحساسية والذي يستوجب استعماله على البشرة الظاهرة من الجسم كل ساعتين لكليهما، ويبلغ ثمن هذا المرهم 35 دينارا مع ضرورة اقتنائه أسبوعيا.
وتقول الوالدة منية إن ابنيها يحتاجان الى طعام مخصوص ومميز تعده إليهما بحسب توصيات الأطباء المباشرين وهو عبارة عن مزيج من الأدوية والمواد الغذائية من أسماك ولحوم وخضروات وسبب ذلك أن أمعاءهما «تطرد» أي طعام آخر غيره وهو ما يجعلهما نحيلين نحيفين.
عاتبنا والديه على هذا الإهمال الذي ألفينا عليه الطفلين وتلك الحالة الصعبة التي كانا عليها (يرتديان ملابس رثة وغير نظيفة وهما يزحفان وسط ردهة المنزل التي تفتح على المطبخ ودورة المياه سيما حالة المنزل بينما كان الطفل ريان (3 سنوات) يمتص «رضاعة» خالية الوفاض وهو مستلق على عربة الرضع دون أن يقدر على طرد الذباب من على وجهه.
الوالد عبد الباقي برر ذلك الاهمال بحالة اليأس التي أصابته وزوجته بعد أن أعيتهما الحيلة في العناية بابنيهما فهما ينظران إلى فلذتي كبدهما وهما في أمس الحاجة الى رعاية وعناية خاصة ومكلفة ولا يستطيعان الى ذلك سبيلا وكل ذلك يستوجب انفاقات وأموالا بلغ الأمر الى درجة الانقطاع عن شراء المرهم الذي لا غنى لولديه عنه ويبرر الوالد عبد الباقي ذلك بارتفاع سعر المرهم وطلبات الأولاد المتعددة من أدوية وأطعمة وحفاظات علاوة على معلوم الكراء الذي يزيد في أعباء العائلة ويظل بضعة أشهر يدين به لصاحب المنزل دون القدرة على خلاصه وذلك بسبب حالة البطالة المزمنة التي يعيشها الوالد وغياب مورد رزق قار.
* في تلفاز الجيران
«من فرط يأسي لم أعد اهتم بهما، من أين لي بتلك التكاليف» بهذه الكلمات الخانقة عبر الوالد عن يأسه وهو يعرض علينا حزمة من الوصفات الطبية التي لم يقم بشرائها، وهذا الأمر قد يؤدي بالطفل حسان إلى فقدان عينه اليمنى بعد فقدانه العين اليسرى.
للطفلين بطاقتا معوق (101188 لحسان و13316 لريان) تحدد نوعية الاعاقات متعددة لكليهما لكن الوالدين ملزمان بدفع نصف معلوم تذاكر السفر (نصف التعريفة) نحو المدن وأمام عجز الوالد عن دفع المعلوم فإنه يضطر الى نقل أحد الأبناء وترك الآخر رغم إلزامية عرضه على الطبيب، وذكر ان حسان لم يتلق فحصا منذ سنتين رغم وجود موعد طبي مع الطبيب المباشر كما يضطر إلى دفع معلوم التسجيل بالعيادات الخارجية (التعريفة المنخفضة)، وفي هذا الصدد يلتمس عبدالباقي تدخل المسؤولين لتمتيعه بمجانية النقل والعلاج والأدوية.
ويقر الوالد عبد الباقي، انه تلقى مساعدات مالية وعينية وأدوية من عدة أطراف رسمية وأخرى من ذوي البر والاحسان لكن كل ذلك لم يكن دعما قارا يعوّل عليه بقية حياته وحياة أبنائه سيما وأن الأطباء أعلموه أن ابنيه سيرافقهما المرض حتى القبر.
وتذكر الأم منية ان المرشدة الاجتماعية زارت العائلة في أكثر من مناسبة توجت الأولى بتقديم مساعدة متمثلة في دفتر علاج والثانية في مساعدة بـ30 دينارا كما تمتعوا ببطاقتي معاق.
وأضافت أنه منذ سنوات تمتعت أسرتها بالمساعدات العينية التي أقرها رئيس الدولة لفائدة المعوزين وحصلت حينها على كمية من المواد الغذائية والأغطية الصوفية لكن تلك المساعدات توقفت فجأة ولم تبلغ إليها منذ سنوات كأنها تاهت عن طريقها إلى المنزل (قد يكون السبب أنها ضلت الطريق بعد تغيير محل الاقامة على بعد عشرة أمتار بسبب بحث العائلة عن منزل لا تنفذ إليه أشعة الشمس) وقال الأب إنه شاهد مساعدات شهر رمضان والعيد (في تلفاز جيرانه) وهي توجه بالأطنان لفائدة المعوزين لكنها لم تصل إليه رغم أولوية أوضاعه في الحصول على المساعدة.
* تاهت مطالبه
ذكر الوالد الشاب أنه لم يتوجه إلى المسؤولين منذ سنتين بعد قنوط أصابه من طول طرق الأبواب وأكد أنه كلما طلب مقابلة مسؤول بالمدينة يحيلونه إلى آخر فيخبره بأن الوضع لا يندرج ضمن مشمولاته، إلى أن تاهت مطالبه البسيطة بين المكاتب والأدراج ولم يجد «الأيادي» التي ترفع عنه وزره ولو من باب الانسانية.
شدّد السيد عبد الباقي في التأكيد أن ابنه ريان (الصغير) مهدد بملاقاة مصير شقيقه حسان من حيث الاصابة بتلك الالتهابات، مما قد يزيد حالة الاعاقة تعقيدا وضررا ومزيدا من مصاريف الرعاية.
ويؤكد عبد الباقي ان عدم قدرته على إعالة أسرته والتكفل بولديه المعاقين علاوة على مصاريف تعليم ابنه الأكبر (يدرس بالسنة السابعة أساسي) ومعلوم الكراء من شأنه أن يزيد من معاناته.
ويلتمس والد الطفلين المعوقين من المسؤولين وجمعيات رعاية المعوقين التدخل لفائدة أبنائه. ويطلب منهم مساعدته بالدواء والعلاج والمال لمجابهة نفقاته عليهما كما يناشد رئيس الدولة أن يوفر له ولأبنائه مسكنا لائقا وقارا لأن الغرفة التي يسكنها على وجه الكراء غير صحية فضلا عن عجزه عن تسديد معلوم الكراء لصاحبها الذي يطرق بابه مطالبا إياه بديون قديمة، فيضطر إلى مناولته المبلغ الذي جمعه واقترضه لشراء الدواء.
وتنشد الأم التي احترق كبدها إشفاقا وحزنا التفاتة إلى أسرتها وتحديدا إلى هذين الطفلين، وهي تتساءل: «أليس من المفترض أن يتم توفير كرسيين متحركين للطفلين المعوقين يعفيهما الزحف على الأرض؟ ألا يمكن تخصيص منحة قارة تمكننا من التكفل بمصاريف فلذتي الكبد وتخفيف عبء الانفاق ومعاناتنا النفسية جراء حالة البطالة، ألا يمكن توفير مسكن لائق للعائلة ولو على سبيل الكراء تتكفل الأطراف المعنية بتسديد معاليمه».
* متابعة: ناجح الزغدودي