في الزعيرات (ولاية القيروان): أسرة تتالت عليها المحن والمصائب
Al Chourouk - 2008-11-12Lu 778 fois
* الزعيرات (العلا) ـ «الشروق»
حل جثمان الصبي «النوري»، فتعالت الاصوات بالعويل والبكاء بدت الأم «رمانة» في حالة يرثى لها، بح صوتها من أثر الصياح بعد ان عبثت اصابع يديها بشعرها الثائر وغرست اظافرها في وجهها وصدرها، ثم اندفعت بكل قوة تريد اختراق حشود الرجال وكأنها تريد خطف اللفافة البيضاء التي تحوي داخلها جسد فلذة كبدها، صرخت، تريد ان تلثم رأسه، ان تودعه الوداع الأخير. ولكن الحاضرين منعوها.
هذا بعض ما شاهدناه مساء اول امس في منزل الفقيد النوري (15 سنة) بمنطقة الزعيرات (معتمدية العلا) بعد يومين من هلاكه في مباراة كرة قدم.
ـ «مات نتيجة الفرحة»
ـ «لا بسبب المرض»
ـ «لا لا، ذهب ضحية الفقر»
لكل رأي هنا في الزعيرات (التابعة اداريا لولاية القيروان) ولكن الثابت ان الضحية النوري صبي من مواليد 24 أوت 1993 بمنطقة المساعيد التي تبعد حوالي 20 كلم عن معتمدية العلا.
كان يزاول دراسته بالسنة الثامنة من التعليم الاساسي، هو الرابع في ترتيب الابناء ايمن (19 سنة)، آسيا (18 سنة)، جمال (17 سنة) قبل هالة (14 سنة)
عانى في السنوات الاخيرة من اوجاع حادة في القلب فطاف به والده بين عديد المستشفيات وتكبد الكثير من مصاريف السفر والعلاج ومواعيد التحاليل والتصوير بالأشة التي لا تنتهي مع ان الرجل لا يتمتع ببطاقة علاج. ولكن ما علاقة هذا بحادثة الوفاة؟
بحثنا عن الاجابة لدى جمال (شقيق القتيل) سيما وقد كان شاهد عيان غالب جمال دموعه وروى بكلمات تخنقها العبرات.
* هدف قاتل
كانت الساعة في حدود الواحدة والنصف من بعد ظهر السبت الماضي كان النوري يلعب مع اترابه لعبة كرة القدم تجاوزت كرته خط مرمى الفريق المنافس فصاح بتسجيله الهدف ليعبر عن فرحته ثم سقط كالعصفور الجريح فوق التراب صمت جمال بعض الوقت ثم أضاف بأسى واضح، لم أكن أتوقع بأن تكون صرخته أقوى من نبضات قلبه العليل وان ملك الموت سيكون حكما على انهاء المباراة قبل اوانها اي قبل ان يعيد الفريق الخصم الكرة الى وسط الميدان. وفي لحظات وجيزة زاغت العيون واكفهرت وجوه كل الاطفال وتحولت ملامح الفرح والبهجة الى حالات من الجزع والانقباض، تحلقنا حول النوري وراودنا امل ضئيل بأن يستفيق وينهض من جديد، ولكن ادركنا بعد برهة بأن أخي قد فقد أنفاسه وانقطعت حركته وتوقف قلبه عن النبض، علت الاصوات واستغاثت كأنها تبحث عن فرصة اخيرة للإسعاف، ولكن دون جدوى، غمرني احساس بالمرارة وتيقنت بأن الفقر هو العدو الاول لأسرتنا، قتل شقيقتي خولة وحرم اختيها آسيا وهالة من مزاولة تعليمهما، ثم قضى على شقيقي الذي لم يجد قلوبا رحيمة تساعده على اجراء العملية على القلب.
* ماتت بين ذراعيها
بحثنا عن المزيد من المعلومات لدى الأبوين رمانة وعبد اللطيف ازداد ألم الأم عندما منعوها من إلقاء نظرة اخيرة على فلذة كبدها جثت على ركبتيها وهي تهذي بكلام فهمنا منه بأنها تحس بنفس الحرقة التي قطعت اوصالها منذ سنوات قليلة حين فقدت ابنتها الصغيرة «خولة» (3 سنوات) بعد معاناة شديدة مع المرض، ماتت خولة بين ذراعيها بعد ان اخرجها والدها من مستشفى ابن الجزار بالقيروان ودفعا قسطا من مصاريف الاقامة والعلاج وتتجدد اليوم حرقتها بموت ولدها.
في المقابل جلس الوالد عبد اللطيف وقد انهكته مصائب الدنيا حتى أصابه الكبر قبل الأوان مع أنه لم يتجاوز سن الاربعة والاربعين وجدناه واجما في حالة من الذهول بين صراخ المقربين ومواساة الحاضرين.
اخبرنا بنبرات حزينة بعد الانتهاء من مراسم الدفن بأنه عاش ألوانا من المحن والمصائب اطلعنا في البداية عن اثر الاعاقة الحاصلة في يديه واصبح معها عاجزا عن فتح اصابعه مما اعاقه عن اداء عملة في حضائر البناء حدثنا عن فقدان ابنته خولة ومراحل مرضها حتى ساعة موتها. ثم اضطر بعدها الى وضع حد لدراسة ابنتيه آسيا وهالة بعد ان بات عاجزا عن توفير لوازمهما الضرورية. ثم تواصلت النكبات حسب قوله: «لقد مرض ابني النوري كان يحس بآلام في صدره وقد افادت التحاليل وعمليات التشخيص بالأشعة بأن ولدي يعاني من انسداد في شرايين القلب، بحثت عن امل للشفاء في عديد المستشفيات فاعتقدوا بأن حالتي ميسورة فوجهوني الى احدى المصحات الخاصة فاقترح علي الطبيب ضرورة التعجيل بإجراء العملية على الصبي بشرط ان ادفع مسبقا مبلغ خمسة آلاف دينار، نزل علي الخبر نزول الصاعقة فعدت مع ابني وانا اجرّ اذيال الألم والخيبة بعين دامعة ويد خاوية لم اشأ اعلامه بالأمر حتى لا اظهر له ضعفي وفقري وعجزي عن علاجه، سلمت امري لله فاختاره الى جواره.
نفض المشيعون ايديهم من دفن النوري تركوه ينام بسلام تخلص نهائيا من آلامه لكنه ورث ألما آخر وحسرة لأسرته هي تركة ثقيلة ما لم يتدخل اصحاب القلوب الرحيمة من المواطنين والمسؤولين لاعانتها ماديا ومعنويا.
* نقل عبد الحميد السالمي