الخزازية ـ القيروان: ذهب في رحلة صيد فعاد جثة هامدة

Al Chourouk - 2008-11-16
Lu 1029 fois

كانت تقف الى جذع شجرة الزيتون الواقعة خلف المنزل بوجه تغيرت ملامحه تعلوه علامات الحزن والمرض، تحت ظل شجرة الزيتون تلك، تعودت الجلوس الى زوجها كل صباح لكن لن يتكرر هذا المشهد لأن زوجها لقي حتفه الاربعاء الماضي في جريمة قتل.
هكذا وجدنا الزوجة عندما زرناها مؤخرا في منزلها بعمادة الخزازية (ولاية القيروان). «الشروق» كانت نشرت خبر الواقعة في عددها الصادر أول أمس (الجمعة) وجاء فيه أن كهلا لفظ أنفاسه الأخيرة فجر الاربعاء بعد يومين من إقامته بقسم الانعاش إثر تعرضه للاعتداء على يد شابين أثناء جولة صيد قام بها بأحد الحقول المجاورة لمنطقة الخزازية.
وبهدف تقصي المزيد من التفاصيل التي حفت بالجريمة انتقلت «الشروق» الى منزل القتيل مرزوق الفطناسي (48 سنة) بقرية القريبات ورصدت بعض التفاصيل الضافية عن الواقعة كما رآها شهود عيان.
كانت الطريق الى منطقة الخزازية هادئة. حقول أشجار الزيتون المثقلة بالخير، توحي بالهدوء ومع موعد غروب الشمس حل الظلام فسحب على المنطقة السكينة.
كانت الطريق الى القرية سهلة ممتدة، لم نجد صعوبة في الوصول الى منزل الهالك، فقد سمع القاصي والداني بجريمة القتل التي قطعت سكون القرية ومزقت هدوءها وشردت عائلة متماسكة تداعت لمصابها ولأن الهالك كان معروفا لدى أهل القرية. * رحلة الصيد الأخيرة
تعود أطوار الواقعة الى صبيحة يوم الأحد الماضي، ارتدى السيد مرزوق بدلة الصياد وتأبط بندقيته بعد ان دس الرخص والوثائق في جيبه وخرج مصحوبا بابنه الشاب صابر (21 سنة) وسعى في ممارسة هوايته التي ورثها عن والده في منطقة الخزازية التي يرخص فيها الصيد.
وكان على بعد حوالي 4 كلم عن منزله وعلى مقربة من الطريق الرئيسية الرابطة بين الخزازية والقيروان (على مستوى طريق سوسة) كان يتجول في قطعة أرض تابعة لشقيقته لما برز من الأجمات أرنب بري فاقتنصه ببندقيته من أول طلقة بندقية، لكنه لم يتوقف من فوره وواصل قفزه الى حقل مجاور قبل أن تسكن حركاته على بعد بضعة أمتار داخل حقل مجاور، عندها طلب الهالك من ابنه جلب الأرنب (الصيد) وهو فرح لبراعته المعهودة وما إن وطأت قدما الشاب أرض الجار (40 سنة) حتى استشاط الأخير غضبا واحتج على دخول ابن الصياد الارض ثم جاء يسعى وهو يتوجه الى الهالك بكلام جارح ومناف للحياء (حسبما ذكر ابن صابر).
لامه الهالك على هذا التصرف وطلب منه الكف عن سخطه اللامبرّر، كما غضب صابر من طريقة مخاطبة الجار لوالده على مسامعه فأخبره في حياء بأن هذا الخطاب المحرج غير لائق وذكر انه أغلظ له في القول، لكن الجار الكهل استنجد بأربع أشخاص (ابنان له وابني شقيقه) فهرعوا اليه مسرعين وقد تسلح بعضهم بهراوات وتقدم أحد ابني الأخ وهو المشتبه فيه (25 سنة) للانتصار لعمه ممسكا بهراوته.
تدخل صابر (دائما حسب روايته) وحاول افتكاك الهراوة من بين يديه ومنعه من تنفيذ تهديده والتحم معه وكلاهما يمسك بطرفي الهراوة عندها تدخل شقيق المشتبه فيه لتهدئة الوضع فنجح في مسعاه بعد ان استجاب الجميع وذهب كل في حال سبيله فترك الصياد الأرنب وأدار ظهره متأبطا بندقيته ومشى مسافة قصيرة طالبا من ابنه مغادرة المكان بينما تقدم ابنه صابر ليأخذ زوج نعليه التي غاصت في الرمل على بعد أربعة أمتار داخل حقل الجار.
كان صابر يهم بأخذ زوج نعله الذي غار في الرمال فاستغل خصمه (المشتبه به) انشغاله وتقدم من الصياد في غفلة منه وهوى بهراوته على مؤخرة رأسه في مناسبتين أسقطته أرضا والدم يسيل من رأسه.
وذكر صابر أنه أسرع الى والده بمجرد سقوطه على الأرض وقام بنزع الخراطيش من البندقية تحسبا لأية ردّة فعل قبل أن يتولى حمله الى الطريق رفقة شابين كان يمران على مقربة من الواقعة (كان يسيران على الطريق وشاهدا ما حصل للهالك) ثم تم نقل الصياد المصاب الى مستشفى الاغالبة حيث تم تمكينه من الاسعافات الأولية قبل أن تتعكر حالته ويدخل في غيبوبة. * إغماءات
وذكر السيد الناصر شقيق الهالك (51 عاما) أن أعوان الحرس الوطني تولوا في البداية إيقاف المشتبه به بعد يوم من الواقعة ثم تم لاحقا إيقاف الشبان الآخرين على ذمة البحث.
وبعد يومين من إقامته بغرفة العناية المركزة، لفظ الصياد أنفاسه الأخيرة فيما كانت زوجته ترفع أكف التضرع والدعاء بشفاء زوجها.
لكنها علمت لاحقا بالخبر الذي أفقدها صوابها وعمّق حزنها ففقدت وعيها في مناسبة أولى استوجبت احالتها الى الطبيب الذي وصف لها بعض العلاج ثم ثانية يوم دفنه الخميس ومناسبة ثالثة يوم الجمعة (يوم الفرق).
ويذكر السيد الناصر ان الخبر صعق الجميع فقد أغمي على الابن صابر حال سماعه خبر الوفاة وظل طريح الفراش الى حين موعد تشييع الجنازة.
شدّة الصدمة تكرّرت مع أشقاء الهالك فشقيقه حسين الذي عاد من فرنسا أغمي عليه في المطار حال نزوله من الطائرة فتم نقله الى المستشفى. كما حضر شقيقه الحبيب من ايطاليا في صدمة وذهول كما أصيب بقية أشقائه بصدمة عنيفة. حزن خيم على منزل الهالك حيث طغى البكاء والعويل.
وذكر الناصر ان العائلة هجرت الطعام واكتفت بالماء لترطيب الحلق حتى تستعيد قدرتها على البكاء وسرد الواقعة على مسامع المعزين. * زيتونة الذكريات
كان الابن صابر يسترجع شريط الحادثة وهو يبكي. فالصدمة لم تكن هنيّة على نفسه سيما وقد شاهد بعينيه كيف هوى صرح عظيم كان له المعلم والأب والصديق، لكن هالة من ضبط النفس ورجاحة العقل حلت على قلبه وعقله شغلته عن رد الفعل فكان همه الوحيد اسعاف والده الذي كان يتألم أمامه ويطلب منه الاتصال بعمه ليقله الى المستشفى.
ولم تكن شقيقاته الثلاث أقل منه صدمة، فقد انخرطن في بكاء طويل لم تستطع أكف أعمامهن الذين احتضنوهن ان تكفكفها لأنها كانت بدورها مبللة بدموعهم.
لم يكن علاء ابن العشر سنوات، وهو أصغر أبناء الهالك (وآخر العنقود كما يقال) يعي شيئا مما يدور داخل المنزل، كان يحسب الحاضرين مجرد ضيوف في المنزل تعود ان يراهم في المناسبات وأن والده ذهب الى مكان قريب وسيعود محملا بالعطف والهدايا.
فكان تارة يلعب لعبة الاختباء مع أبناء أعمامه وتارة يلاطف كلاب الصيد المدربة التي كانت تنبح كأنها تنوح على فقدان صاحبها.
أما أم صابر، زوجة الهالك مرزوق فكانت تقف الى شجرة زيتون خلف المنزل تناجيها وتبثها أحزانها بوجه تغيرت ملامحه من فرط البكاء. وذكر شقيق زوجها انه منذ رحيل زوجها وهي تجلس تحت الشجرة حيث تعودت الجلوس صحبته لتناول افطار الصباح قبل مغادرته للصيد (في مواسم الصيد) أو لرعي الغنم.
نفض الجميع التراب عن أيديهم آسفين على فراق شخص بمثل اخلاق الهالك وشمائله. وتعددت الأقوال.
«هو انسان محبوب ولا أحد يكن له ضغينة وهو أيضا يحب الناس جميعا. كريم كالبحر يكرم الضيف. هكذا ذكر أحد الشبان سيرته، وأضاف آخر قائلا: ليتنا كنا نقدر على أن نمنع عنه ما أصابه، لأننا لا نريد فقدان شخص مثله، هو لا يستحق ما أصابه»، وأكد جميع الحاضرين أن كل ما يصطاده لا يعود به الى المنزل بل يهديه لكل من يعترضه في الطريق، انه يصطاد حيثما يشاء لانه ابن الجميع ومنازل القرية كلها منازله لان خيره شمل الجميع.
تركنا علاء يلاعب كلاب الصيد غير مدرك للفاجعة قد يعلم بما حدث من والدته التي تركناها تمسك بأغصان الزيتون تناجيها وتستلهم منها صمودها. * متابعة ناجي الزغدودي



Novembre 2008
LMMJVSD
01 02
03 04 05 06 07 08 09
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
<< >>