في السبيخة: مـــــاذا وراء اختفاء تلميذة الباكالوريـا ؟
Al Chourouk - 2008-11-22Lu 790 fois
* السبيخة ـ «الشروق»:
لا يزال مقعد تلميذة الباكالوريا بالفصل شاغرا لم يجرأ أحد على الانتقال إليه ليحل محل صاحبته التي اختفت منذ 23 يوما في المعهد يتابع زملاؤها أخبارها مع كل درس فيما افتقد الأساتذة ورقة امتحانها بين أوراق الاجابات.
اختفت تلميذة الباكالوريا، بصفة مفاجئة منذ 3 أسابيع بعد استئذانها لمغادرة قاعة الدرس بمعهد السبيخة، لكنها لم تعد إلى منزل شقيقتها حيث تقيم منذ مدة ولا إلى منزل والديها.
وأنتجت الأبحاث ان التلميذة المفقودة غادرت قاعة الدرس بعد نصف ساعة من حضورها بسبب آلام في الظهر ألمّت بها أثناء حصة الفلسفة حوالي الساعة الثانية والنصف من ظهر يوم الخميس 30 أكتوبر 2008 .
لكنها لم تعد إلى منزل شقيقتها بمدينة، السبيخة مما ساور الشك أهلها حول احتمال تعرضها للاختطاف. وهذا الاحتمال تدعم أكثر مع تعرض تلميذة ثانية إلى محاولة تحويل وجهة.
وتعكف فرقة الأبحاث العدلية بالقيروان على التحقيق في اختفاء تلميذة الباكالوريا ومحاولة معرفة مصيرها بالتنسيق مع مختلف الجهات الأمنية بكامل تراب الجمهورية والتحقيق في تعرض التلميذة الثانية إلى محاولة تحويل وجهة والبحث في مدى وجود رابط بين القضيتين.
في مدينة السبيخة، لا شاغل للأهالي إلا حادثة اختفاء تلميذة الباكالوريا، مروى الدريدي وهم يبحثون عمّن يزيل حيرتهم وان كان من باب الشعوذة.
هل تعرضت للاختطاف؟ وما هو مصيرها إلى حدّ الآن؟ وهل لحادثة اختفائها علاقة بمحاولة تحويل وجهة حصلت مؤخرا لتلميذة ثانية أم ان الأمر محض صدفة؟
أسئلة سعت «الشروق» للبحث فيها وأجرت مؤخرا في السبيخة تحقيقا شاملا بهدف الحصول على إجابات شافية لها.
* يتتبع آثارها
في معهد السبيخة الواسع العتيق، كانت الدراسة تسير عادية لكننا لاحظنا بعض الحذر أثناء مغادرة التلاميذ للمعهد في فترة الراحة المسائية (الرابعة) كنا نريد ان ننطلق من أول نقطة فاتصلنا ببعض المربين بالمعهد أملا في الحصول على معطيات دقيقة.
فآخر عهد للتلميذة مروى من مواليد 19 ماي 1989، والمرسمة بالرابعة آداب (1) هي حصة الفلسفة، يوم الخميس 30 أكتوبر.
وذكر أحد الاطار التربوي أن التلميذة المختفية، دخلت القسم على الساعة الثانية ظهرا على أن تدرس ساعتين لكن بعد نصف ساعة استأذنت في الخروج بسبب ألم عاودها على مستوى ظهرها فحملت أدباشها وغادرت القاعة فتم تسجيل غيابها بدفتر المناداة.
خرجت مروى من المعهد لكنها لم تعد إلى منزل شقيقتها حيث تقيم منذ سنتين بسبب بعد منزل والديها عن المعهد (بقرية أولاد أحمد، حوالي 7 كلم عن السبيخة) فكان ذلك آخر عهد لها بالمعهد.
استقبلتنا شقيقتها هندة في منزلها بوجه شاحب وذكرت لنا أن آخر عهد لها بشقيقتها كان الساعة الثانية ظهرا إلا الربع من يوم اختفائها عند مغادرة مروى منزلها نحو المعهد. وقالت إن مروى أعلمتها بأنها ستحضر ساعتي الفلسفة فقط دون ساعتي الانقليزية والجغرافيا، وانها ستعود إلى المنزل بسبب شعورها بآلام على مستوى ظهرها.
وفي المساء عادت هندة إلى المنزل ولم تجد شقيقتها فظنت انها تراجعت في أمر تغيبها عن حصتي الجغرافيا والانقليزية وانتظرت المساء لتسألها.
لكن المساء المظلم الذي زاده سواد الطريق ظلمة، كان يخفي خبرا غير سارّ للجميع. دق جرس السادسة مساء بالمعهد لخروج التلاميذ، ومرت الدقائق دون ان تعود مروى إلى منزل شقيقتها.
اتصلت شقيقتها بزوجها بعد أن توجست خيفة، وطلبت منه الخروج في طلبها.
واصل السيد علي زوج هندة طريقه في البحث حتى المعهد (على بعد حوالي 400 متر من المنزل) لكنه لم يعثر لمروى على أثر وراحت زوجته تسأل كل من يعترض سبيلها لكن أحدا لم يرها عدا بعض التلاميذ الذين ذكروا أمامها ان ثلاثة تلاميذ أمسكوها من شعرها وأدخلوها عنوة إلى شاحنة خفيفة.
وبعد يأسها من العثور على شقيقتها، بادرت هندة بإعلام والديها ثم سارعت بإبلاغ أعوان الأمن مستعملة عبارة «اختطاف» وطلبت المساعدة في العثور عليها وإعادتها إلى حضن العائلة.
وذكرت هندة ان شقيقتها (مروى) اشتكت إليها منذ شهر من مضايقة أحد الشبان وأوضحت لها أنه يتتبع آثارها في ذهابها وإيابها من وإلى المعهد وقد ذكرت أوصافه وقالت أنه غريب عن المدينة.
* شعوذة وتنجيم
بحث أهل مروى عن ابنتهم في كل مكان، في مراكز الأمن والمستشفيات وحتى المقابر وعندما يئسوا من العثور عليها لجؤوا إلى المنجمين والمشعوذين (عزامة) فيما ظل هاتفها الجوال مغلقا.
الوالد أحمد (في العقد السادس) كان ينادي ابنته «مروى... مروى الصبر عليّ صعب» ظل يبكي حتى انتفخت عيناه واعتزل الناس.
ووالدتها لم تكن أفضل حالا، فعندما فقدت ابنتها ظنت ان الأمر يتعلق بوجودها بمنزل شقيقتها في السبيخة أو لدى الأخرى في تونس، وكانت تنتظر مجيئها ولم تفقد الأمل، لكن عندما مرت الساعات الثقيلة يئست من عودتها وأصبحت تتمنى سماع أنباء عن ابنتها «سواء كانت حية أو ميتة».
وذكرت السيدة هندة أن شقيقتها متفوقة في دراستها ومتوازنة في نفسيتها وهي تعكف على المطالعة والمراجعة وكانت تستعد لفرض عادي وأكدت أن شقيقتها تعرضت إلى الاختطاف وعندما سألناها عن الدليل، أكدت أن حسن سيرتها واستقرارها الاجتماعي والنفسي وحبها لدراستها لا يمكن أن يدفعاها إلى مغادرة منزل والديها ومنزلها، وأضافت أن أكبر دليل على اختطافها هو ما حدث لتلميذة أخرى مجاورة لها وقالت ان الثانية نجت لأنها كانت قريبة من منزلها على خلاف مروى التي كانت تشكو من آلام في ظهرها وساقها فلم تتمكن من الفرار.
قضية اختفاء التلميذة مروى من أنظار النيابة العمومية بمحكمة القيروان الابتدائية التي عهدت لفرقة الأبحاث العدلية بالقيروان بالتحقيق في الواقعة.
اتصلنا ببعض المصادر الرسمية لمزيد التقصي حول مسألة اختفاء التلميذة مروى فأكدت أنه لم يثبت وجود عملية اختطاف وأن كل ما في الأمر هو محض تهيئات ربطها الأهالي بحادثة جدت مؤخرا بمدينة السبيخة ونشرتها «الشروق» في عدد سابق وهي محاولة تحويل وجهة تلميذة ثانية لكنها تمكنت من الافلات من قبضة المشتبه به وعادت إلى أهلها معافاة عكس حالة مروى.
«الشروق» اتصلت أيضا بمنزل التلميذة المتضررة توبة الفرحاني المرسمة بالسنة الثانية شعبة تكنولوجيا إعلامية.
توبة من مواليد 9 جويلية 1991 تمكنت من الافلات من قبضة جلادها قد تكون محاولة تحويل وجهة حسبما أقرته المصادر الرسمية لكن الحادثة لها أوجه أخرى لا بد من الاشارة إليها.
* طعنة في الظهر
هذه الواقعة جدت يوم خميس أيضا، بتاريخ 13 نوفمبر حوالي الساعة الخامسة مساء، أثناء عودة توبة من المعهد إلى منزلها القريب (لا يتجاوز 300 متر).
وتقول توبة ان امرأة جاءت إلى منزل والديها في أحد الأيام (يوم الأحد) فطلبت منها شربة ماء ثم سألتها (بالفصحى) عن مركز للاتصالات العمومية (تاكسيفون) وهي تمسك بهاتف جوال في يدها. وأضافت توبة ان المرأة (في عقدها الخامس) غابت قليلا ثم عادت وسألتها عن جديد حول الفتاة المختطفة.
وبعد ثلاثة أيام شاهدت تلك المرأة صحبة رجلين على متن شاحنة خفيفة ويوم الحادثة كانت توبة في طريق العودة إلى منزلها، وبعد الانعطاف إلى الشارع المؤدي إلى المنزل (على بعد 200 متر عن المعهد و100 متر عن منزل) فاجأها أحد الشبان وطوقها بذراعه وهددها بواسطة آلة حادة واحتجزها في مدخل مستودع لا يتوفر على باب وهددها بسكين.
وفجأة رن جرس هاتفه فرد على المكالمة قائلا: «هيّا وينكم»، وذكرت المتضررة أنه نفس جهاز الهاتف الذي لمحته عند المرأة التي سألتها سابقا، وأضافت أنها استغلت الفرصة وتمكنت من الافلات وحاولت الهروب لكنه عاجلها بآلته الحادة التي أصابتها على مستوى ظهرها فمزقت ميدعتها وقميصها الصوفي وأصابت جسدها بخدش طفيف على مستوى ظهرها، فجرت إلى منزل والديها ووجدت الباب مفتوحا فدلفت إلى الداخل مصدومة فاصطدمت بسارية وسط فناء المنزل. وقد اطلعتنا على ثيابها الممزقة.
حال وقوع الحادثة اصطحب الوالد الطاهر ابنته إلى مركز الشرطة وحرر شكوى في الغرض تضمنت رواية المتضررة. وأكدت توبة أنها رأت المشتبه به ويمكنها أن تتعرف إليه في حال رأته ثانية.
توبة أقامت صلة بين الحادثة التي تعرضت لها وحادثة اختفاء التلميذة مروى من نفس المعهد. وكلاهما حدث يوم خميس. المصادفة الثانية هي أن توبة تحمل نقطة سوداء في عينها (انحصرت فيها الدماء اثر حمى اصابتها) وهي تشبه تلك التي تحملها مروى في عينها.
* «قرابين»؟!
السائد في مدينة السبيخة، وتتناقله الألسن وتضيف عليه من الذاكرة الشعبية والأساطير أن هناك أغراضا من وراء اختفاء التلميذة مروى وما يعتبرونه محاولة اختطاف توبة، ويرون ان الفاعل واحد والرابط بين الحادثتين اعتقادهم ان بعض المشعوذين يتعمدون اختطاف الأشخاص وتقديمهم في شكل قرابين من أجل استخراج كنز يسمونه «خزنة».
زائر السبيخة يلاحظ تواتر دوريات أعوان الأمن.
وفي المقابل فزائر المعهد يلاحظ اقبال الأولياء على اصطحاب أبنائهم إلى المعهد في ذهابهم وإيابهم خشية تكرر الحادثة مع حالة أخرى.
مصدر رسمي أكد لنا عدم وجود صلة بين الحادثتين. وأكد آخر ان ما يشيع في المدينة هو محض تهيآت وتداعيات ذاكرة اجتماعية مرتبطة بالأساطير وتناقل القصص، متهما البعض بحب نشر الاشاعات وتداول الأحاديث التي تتضخم من شخص لآخر ومن مكان إلى مكان.
وأضاف مصدر رسمي آخر ان الرابط بين الحادثتين هو عدم صراخ أي فتاة في الواقعتين عند تعرضهما لما يعتقد انه خطف أو محاولة خطف، كما أنه لا يوجد شاهد عيان وثيق يؤكد ما حصل رغم وجود التلاميذ والدكاكين في محيط المعهد ونشاط الحركة سيما على مقربة من منزل التلميذتين.
وذكر آخر ان أهل توبة ربطوا اختفاء مروى بمحاولة تحويل وجهة توبة، وفي المقابل ربط آخرون محاولة تحويل وجهة توبة باختفاء مروى، لتنسج خيوط من الأوهام تسعى السلطات الأمنية إلى قطعها بسيف اليقين الذي يحسمه العثور على التلميذة مروى.
وتناشد عائلة مروى بالمقابل كل من لديه معلومات عن وجود ابنتهم أو أية آثار تدل على مكان ابنتهم حتى تعود إليهم سالمة معافاة.
* تحقيق وصور: ناجح الزغدودي