«الشروق» في بيت الشقيقين المتوفين في حفوز: أبوهما يقتفي أثرهما ويقبّل التراب الذي داسا عليه

Al Chourouk - 2008-11-23
Lu 604 fois

* العجيلات (حفوز) ـ الشروق
انتظرت انتهاء المغسلين من تغسيل جثتي ابنيها ثم ارتمت على أصغرهما سنا (11 شهرا) ورجت الحاضرين أن ترضعه، كانت تعلم أن الحياة لن تدب فيه من جديد ولكنها كانت تأمل في أن تمكن فلذة كبدها من رضعة أخيرة حتى بعد أن تحول إلى جثة.
كان مشهدا مؤثرا هذا الذي شاهدناه داخل الأسرة المنكوبة في منطقة العجيلات من معتمدية حفوز (ولاية القيروان) لكنه يبقى واحدا من عديد المشاهد المؤثرة التي انطلقت منذ الاربعاء الماضي تاريخ وفاة كريم (11 شهرا) وشقيقه حلمي (3 سنوات) في احتراق منزلهما وفق ما نشرته «الشروق» في عددها الصادر أمس الأول (الجمعة).
أمام منزل السيد الجيلاني العجيلي (بمنطقة العجيلات) التفت النسوة حول أم قد أشرفت على حافة الهوس كن يواسينها تارة بعبارات الرحمة والصبر وتارة أخرى يرددن نحيبها... ثم تلاه مشهد رهيب فبعد الانتهاء من عملية الغسل وإخراج الطفلين اندفعت الأم وارتمت فوق الطفل الصغير وهي تتوسل لكل الذين من حولها وتترجاهم بأن تمنح لابنها الرضعة الأخيرة قبل أن يدفن تحت الأرض، المشهد أبكى الكبار والصغار الرجال والنساء. * يقبّل التراب
في ناحية أخرى ظل الأب يكفكف دموع الأسى وقد غمره إحساس شديد من الحزن والكآبة وبدأ يهمهم بكلمات خافتة قائلا : منذ رحيل ولديّ كريم وحلمي لم أعد قادرا على دخول المنزل... ليلة الفاجعة حملني شقيقي إلى بيته وحباني بعطفه وبعد أن ضمني رجاني أن أنال نصيبا من الراحة والاسترخاء ولكن لم تكن لي مقدرة على الأكل أو النوم... كانت صورة الصغيرين تتراقص أمام عيني وتتجدد مع حبات دموعي... استحضرت ليلتها كل الأيام.. بل كل الساعات واللحظات الحلوة التي قضيتها معهما... منحتهم حبا كبيرا فمنحوني سعادة أكبر.... بقيت علي تلك الحالة حتى أذن لصلاة الصبح... فقمت ودعوت لهما الله بقلب خاشع وعيون باكية بالمغفرة والرحمة ثم وجدت نفسي ودون أن أشعر تجرني قدماي خارج المنزل لأقتفي مع نور الشفق الأحمر أثر أقدام صغيري في كل الأماكن التي مروا منها وأقبّل التراب الذي داسا عليه... هي لحظات ضعف قد تكون هدأت قليلا من روعي وأخمدت جزءا من السعير الذي يكمن داخل صدري... ومع ذلك فإني أرفع في كل مرة يداي الى السماء وأبتهل إلى الله حامدا شاكرا قضاءه وقدره. * احترقت صور الذكريات
علمنا أن النتيجة الأولية للأبحاث رجحت أن تكون الأسباب الى انفصال الفانوس الكهربائي المثبت في السقف بفعل الحرارة عن مكانه وسقوطه مباشرة فوق الفراش الذي يحتوي على أغطية سريعة الاشتعال فاندلعت النيران وتوسعت دائرة اللهب لتلتهم كل الأثاث والأدباش وتسرب معها الدخان بكثافة نحو الغرفة المجاورة التي كان يلعب فيها الصغيران... تارة يتقاذفون بكرة صغيرة وتارة أخرى يركبان دراجتهما الصغيرة... فلم يقو الطفلان على المواجهة خاصة وأن الأبواب والنوافذ كانت مغلقة .
دخلنا مع بعض الحاضرين لنعاين آثار الحريق ... غمزتنا في البداية رائحة كريهة وقوية قد أفرزتها الأشياء المحترفة الى حد أن البعض تراجع إلى الوراء والبعض الآخر قد وضع كف يديه على أنفه... كل الجدران سوداء... في الجهة اليمنى غرفة النوم وقد أتلفت النيران جميع أثاثها ومحتوياتها حتى الحقيبة التي كانت تحوي كل وثائق وصور العائلة قد تحولت إلى كومة سوداء وقد تعذر علينا وجود صور الفقيدين لكننا عثرنا على واحدة قديمة كان يحتفظ بها الجد في بيته وهي تجمع الأب والأم صحبة ابنيهما حلمي ونورهان التقطت لهم في احدى المناسبات السعيدة.
تحولنا إلى الغرفة الثانية فلمحنا ألوانها قد تدرجت بين السواد والرماد... بقيت الكرة ساكنة في مكانها... ونامت الدراجة على جانبها ارتسمت على أرضية الغرفة وسقفها ملامح المأساة التي قد لا تمحى بسهولة من ذاكرة الملتاعين والمعزين لكن قد تعود الابتسامة يوما الى ثغور ما تبقى من أفراد هذه الأسرة المنكوبة في الأملاك والأرواح متى وجدت الدعم اللازم من الجهات المحلية والجهوية ومن أصحاب القلوب الرحيمة. * عبد الحميد السالمي



Novembre 2008
LMMJVSD
01 02
03 04 05 06 07 08 09
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
<< >>