أولاد الفالح ـ بوحجلة: كارثة العيدين: الطعنة في عيد الفطر والوفاة في عيد الاضحى: سليم يزور قبر والده كل يوم وأختاه لم تعودا الى الدراسة

Al Chourouk - 2008-12-16
Lu 550 fois

صباح عيد الاضحى جلس الوالد الشيخ في خيمة العزاء يتلقى التعازي في ابنه وقد احتضن حفيده سليم وهو يكفكف دموعه تارة ويمسح دموع الطفل تارة أخرى. وفي احدى غرف المنزل ضمت الزوجة ابنتها الصغيرة سليمة اليها باكية بينما أخفت شهرزاد دموعها في حجر جدتها، أما الشقيق جمال، فكان يستقبل الزائرين لا ليهنؤوه بالعيد بل ليتلقى تعازيهم في شقيقه، فلم تكن هناك لا رائحة ولا مظاهر زينة ولا خروف ينتظر وانما كان هناك بكاء وحزن ويتم وعزاء.
فقد لفظ رب الأسرة الشاب فرحات الفالح من مواليد 10 فيفري 1969 أنفاسه بأحد مستشفيات مدينة سوسة، قبل ساعات من يوم عيد الاضحى بطعنة سكين قبل ساعات من عيد الفطر الماضي في بوحجلة (القيروان).
«الشروق» كانت نشرت في عددها الصادر يوم الخميس الماضي خبر الوفاة وجاء فيه ان «رب أسرة شاب لفظ أنفاسه ليلة الاحد في سوسة متأثرا بطعنتين كانا تلقاهما خلال عيد الفطر الماضي».
ولتقصي المزيد من المعطيات، تحولت «الشروق» الى منزل الهالك في قرية أولاد الفالح (معتمدية بوحجلة) ورصدت ظروف قضاء أسرة الهالك لعيد الاضحى بعد تلقيهم خبر الوفاة وكيف تقبل الابناء الصغار فقدان والدهم وفقدان لعب العيد والخروف.
عند سفرنا كان الطريق متوضحا بالسواد تقطع سكونه أضواء شاحنات تبرز من حين لآخر من ثنايا غراسات التين الشوكي وأضواء سيارات تبين لنا أنها كانت في طريقها الى منزل الهالك لتقديم العزاء.
وفي منزل تحيط به أشجار الزيتون المثقلة وقد نصبت في فنائه خيمة كبيرة، وجدنا حركة كبيرة وصفوفا من المعزين جالسين الى كراسي وآخرين قابعين الى الارض داخل الخيمة لا حديث لهم الا عن المصاب الجلل الذي أفسد فرحة العيد وأفقد طعم الفرح، بينما كان بعض الأطفال يتجمعون في حلقة بعد أن يئسوا من الحصول على هدايا من الزائرين فاليوم عيد لكن الجميع في شغل غير سعيد.
حدثنا جمال (شقيق الهالك) عن الجريمة فقال إن أخاه (الهالك) باشر يوم 26 رمضان الماضي عمله الفلاحي (في أرضه) على عادته لكن أحد أقاربه أصابه بسكين نتيجة خلافات سابقة فتم نقل المصاب الى المستشفى فيما تم ايقاف المشبوه فيه.
كان سليم وشهرزاد وسليمة يأملون في أن يعود اليهم والدهم سليما معافى بعد أيام قليلة من دخوله المستشفى ومضت الأيام وكانوا يدعون ان يعود اليهم والدهم محملا باللعب والملابس وخروف عيد الاضحى، لكن السكين التي أصابت الهالك على مستوى كبده ورئتيه تطلبت اجراء 3 عمليات جراحية بمستشفى الاغالبة حيث مكث 51 يوما، وأمام رغبة أهله في تعافيه بسرعة قاموا بنقله الى مصحة خاصة بمدينة سوسة وبعد نقله الى المصحة لم يتماثل للشفاء كما تمنى أهله فتمت إحالته الى مستشفى سهلول حيث حاول الإطار الطبي القيام بالمستحيل لانقاذه لكن حالته الصحية ازدادت خطورة مع محاولة نزع أنبوب تم تثبيته بظهر الهالك بهدف تنظيف الرئة من الماء في عملية جراحية رابعة لكن الحالة تعكرت ورغم العملية الجراحية الخامسة إلا أنه لفظ أنفاسه فجر يوم عرفة.
خبر الوفاة لم يكن هينا رغم أنه كان متوقعا في كل لحظة لكن الأمل والرجاء كانا يخففان من ألم الحزن، أما وقد أصبح الظن يقينا وانقطع الرجاء فلم يعد بدا من البكاء وتدافع الأقارب لحضور الجنازة وتقديم العزاء. * جنازة منتصف الليل
وصل جثمان الهالك الى منزله ليلا، كان الظلام يخيم على القرية وعلى المقبرة، «انها المرة الاولى التي نشهد فيها جنازة في منتصف الليل، وأية ليلة انها ليلة العيد»، هكذا تحدث أحد الشيوخ من أقارب الهالك عن الجنازة التي تدافع اليها الصغار والكبار، ورغم الظلام الحالك فقد استعانوا بمصابيح يدوية واضاءة السيارات بينما كان القمر يرسل نوره الخافت على قلوب خاشعة.
لم يصدق جمال (36 سنة) أن شقيقه الذي كبر معه قد مات فسقط مغشيا عليه من البكاء ونقل الى المستشفى وكذلك شقيقته نجوى (30 عاما). أما الوالدة هنية فقد واصلت بكاءها الذي بدأته منذ اصابة ابنها في عيد الفطر. 70 يوما من البكاء كانت كافية لإصابة حنجرتها بالتهاب مما استدعى عرضها على طبيب مختص حدد لها موعدا لاجراء عملية جراحية في الايام القليلة المقبلة. * بأي حال عدت يا عيد
«خروف العيد كان فرحات يشتريه ويذبحه لكننا لم نشتر الخروف هذه السنة ولم نذبح الا ما يتطلب عشاء الفرق»، قال ذلك الوالد الشيخ (73 سنة) وقد انهمرت من مقلتيه دمعتان لم يستطع منعهما، وأكد ان جميع أقاربه في القرية لم يذبحوا خرفان العيد، وعندما أتوا للتعزية كان كل واحد منهم يأتي باكيا.. وهنا يتوقف الشيخ عن الكلام قليلا، قبل ان يضيف باكيا «الجميع يقول لي فرحات لا يستحق ما أصابه، فقد كان شهما ومحبوبا ورجلا بمعنى الكلام».
وتضيف الوالدة هنية قائلة بصوت أبحّ: «لم نفكر في العيد، الصغار يبكون ويتجدد بكاؤهم كل يوم».
كانت قصد بكلامها أطفاله الثلاثة سليم (11 سنة)، وشهرزاد (12 سنة) وسليمة (9 سنوات)، عيد الفطر كان قد مر عليهم حزينا بلا لعب ولا ملابس. أما عيد الاضحى فلم يعيشوا لحظاته كسائر الأطفال.
لم تعد سليمة (تلميذة الثانية ابتدائي) ترغب في الذهاب الى المدرسة البعيدة، وأصبحت تخشى من الطريق، اذ لم يعد هناك من يوصلها الى المدرسة ويستقبلها عند بابها ليعود بها الى المنزل، كانت متعلقة بحضن والدتها منجية (36 عاما) التي شحب وجهها.
وتقول السيدة منجية زوجة الهالك في هذا الصدد «والدهم تعوّّد ان يصطحبهم الى المدرسة كما تعوّد ان يجلب لهم الملابس الجديدة واللعب... كان أبا مثاليا بعطفه وحنانه ورعايته».
أما شهرزاد تلميذة الاعدادية فظلت متعلقة بحضن جدتها تنظر بعينين حزينتين على عكس شقيقها سليم الذي أدمن التردد على قبر والده كل يوم حتى يحادثه كما لو كان حيا أمامه. * صور ومتابعة: ناجح الزغدودي



Décembre 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06 07
08 09 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31
<< >>