قضية البحارة التونسيين: المحكمة الإيطالية تؤجل الجلسة 40 مرة بحثا عن خيوط العنكبوت !
Al Chourouk - 2008-12-23Lu 557 fois
* تونس ـ «الشروق»
من يصدق هذا؟ من يصدق ان قضية البحارة التونسيين السبعة، الذين تحاكمهم محكمة «أقريجنتو» الايطالية تأخرت نحو اربعين مرة، وستتأخر - كما هو متوقع على ضوء عدة مؤشرات - مرات ومرات اخرى دون ان يكون هناك اي مبرر قانوني ووجيه لتأخيرها اللهم الا اذا اعتبرنا حرص المحكمة الموقرة ورئيستها المحترمة تحديدا على المماطلة والتأخير العمد والمتعمد لمجرد التأخير فقط من المبررات القانونية والوجيهة. للأسف الشديد انه في الوقت الذي كان فيه الجميع من البحارة المعنيين واسرهم والاشقاء المجهزين وعائلاتهم والمحامين المتعهدين بملف القضية ومن البرلمانيين الاوروبيين والبرلمانيين الايطاليين ووسائل الاعلام بما فيها الايطالية في هذا الوقت الذي كان فيه كلهم ينتظرون - وكنا نحن ايضا ننتظر معهم - ان تصدر المحكمة الموقرة احكامها النهائية خلال جلسة 15 ديسمبر الجاري وان تكون الاحكام عادلة ومنصفة تحفظ حقوق هؤلاء البحارة الابرياء وحقوق الاشقاء «نويرة» المجهزين ارتأت المحكمة المحترمة ان تكون مرة اخرى وفية لحرصها على التأجيل فاذا هي تؤجل النظر فيها الى جلسة 9 فيفري المقبل.
وهكذا، تكشف محكمة «اقريجنتو» الموقرة عن نواح كثيرة في سير المحاكمة الظالمة وتفضح ابعادها فإذا هي تتبدى الآن اقرب ما يكون الى المساخر والمهازل لأنها بدلا من ان تقارع الظالم بحجة المظلوم وبدلا من ان تنصف الحق وتعلي شأن القيم الانسانية النبيلة اخذت بأسباب الظلم وكرسته.
* أي مبرر هذا؟
وانه لفي وسع كل من يتأمل تطورات القضية منذ ليلة اوت حتى اليوم ان يصل الى حقيقة كبيرة وهي ان المحكمة طرحت على نفسها - ان لم يكن قد طرح عليها - ايجاد ذريعة ولو في هشاشة خيوط العنكبوت ولا يعتد بها لانزال عقوبات على البحارة. على منطق «معيز ولو طاروا» لئلا يحصلوا على التعويضات القانونية.
هذا هو الواضح لأنه من الصعب على المرء ان يتخيل محكمة تصر على محاكمة اشخاص اثبتت الابحاث التي اجرتها السلط الامنية المسؤولة والاختبارات الفنية التي اجراها خبراء متخصصون منتدبون وشهادات الشهود انهم ابرياء مما نسب اليهم ظلما.
* هذه هي صورة المحاكمة بلا مجاملة.
صورة محاكمة مهزلة وظالمة وغريبة وقد يكون الجديد والاكثر غرابة فيها ان سبب التأجيل في هذه المرة يعزى الى تغيب السيدة رئيسة المحكمة المحترمة ولكي تدرك ايها القارئ العزيز جوهر الغرابة في هذا المبرر نقول ان المعلومات التي وصلت البحارة والمفوض القانوني من قبل المجهزين الاشقاء السيد عبدالقادر نويرة، وبلغتنا نحن ايضا مثلما بلغت عديد الاطراف الاخرى المهتمة بالقضية تبعث حقا على الدهشة اذ انها تؤكد ان السيدة رئيسة المحكمة الموقرة تغيبت لأنها وضعت مولودا، قرت به عينها وعين قرينها وجعله الله من ابناء السعادة!
وقد يتساءل البعض أليس من حق السيدة القاضية المحترمة ان تحمل وان تنجب وان تتمتع بإجازة ولادة طويلة الامد كانت ام قصيرة؟ وما جوهر الغرابة في ذلك؟ والتساؤلات تكون قطعا وجيهة ومنطقية لو لم تكن السيدة القاضية الفاضلة قد انجبت في السنة الماضية!
اما وقد وضعت في العام الماضي مولودا «حكم» في حينها على القضية بالتأجيل فإنه يكون من الغريب والمدهش ان تضع هذا العام ايضا مولودا آخر «يحكم» هو بدوره على هذه القضية بالتأجيل!
ولنا ان نتخيل السيدة القاضية تحبل على عجل وتنجب بسرعة فيؤجل الانجاب جلسات المحاكمة تباعا.
* من جلسة الى أخرى
وسواء انجبت السيدة رئيسة المحكمة وكان الانجاب هو السبب في تغيبها عن الجلسة الاخيرة ومن ثمة تأجيل النظر في القضية او لم تنجب وتغيبت بعذر آخر فإن ذلك لا يمكن في تصورنا وفي تصور كل الذين تابعوا ومازالوا يتابعون تطورات القضية ان يكون مبررا لعدم البت في هذه القضية نهائيا لا سيما ان ملفها استوفى كل المراحل وبات منذ عدة اشهر جاهزا للفصل.
ولكن محكمة «اقريجنتو» المحترمة مازالت مصرة على السير على نهج غابت عنه معاني العدالة والنزاهة والانسانية أليس هذا ما يتجلى بكل وضوح في فصول القضية كافة وخصوصا في «قذفها» من جلسة الى اخرى قد تفصلها عنها عدة اشهر والاستمرار في حجز المركبين «محمد الهادي» و»مرتضى»؟
وربما يكون لزاما علينا هنا ان نضع امام المحكمة الايطالية المحترمة حقيقة بديهية هي انه لو كانت القضية منظورة من قبل القضاء التونسي، لكانت الآن من القضايا المحسومة قانونيا ونهائيا ولكان الحسم مكرسا للعدالة الحق وللنزاهة الصرفة، فالقضاء التونسي لا سلطان عليه لغير القانون ولا أحرص منه على رد الحق الى اصحابه وهذا واقع نضعه امام اعين السيدة رئيسة المحكمة الايطالية ومساعديها الافاضل عسى ان يأخذوا به وينسجوا على منواله.
* على قارعة الطريق
لما كانت القضية قائمة برمتها على ظلم وباطل وحافلة بالفصول الغريبة فإنه لم يكن من المستغرب ومن المثير للدهشة ان تتصرف السلط الايطالية الموكولة لها حراسة المركبين المحجوزين حتى اليوم في احدهما بطريقة تنم عن اهمال متعمد بغض النظر عن عدم حرصها على صيانتهما باستمرار وعلى حمايتهما من النهب.
ولكن لا يكون حديثنا عن هذا الاهمال المتعمد نظريا وحسب نقول إننا استطعنا عبر قنوات خاصة ان نصل الى حيث يوجد المركبان «محمد الهادي» و»مرتضى» واستطعنا ان نعاين عن طريق قنواتنا هذه ما لحقهما من اضرار فادحة.
ومع احترامنا للذوق الايطالي الذي سمح بسحب المركب «محمد الهادي» من الميناء - حيث كان محجوزا - الى اليابسة واستغلاله كمجسم زينة دون الاكتراث بالاضرار التي لحقته فإن هذا الصنيع يمثل وحده خرقا للقانون ومسا بحقوق مالكي هذا المركب الذي يفترض الا يتصرف فيه اي طرف طالما انه محجوز على ذمة القضاء ولكن...!
والخطير في الامر انه وقع الاستيلاء على جميع مكوناته فلم يبق منه الا «الشقف» (!)
وليعذرنا «الذوق» الايطالي الذي سمح بالاستيلاء على مكونات المركب المحجوز وباستعماله كمجسد زينة على قارعة الطريق العام ان لم نغفل عن الاشارة الى اننا استطعنا عبر القنوات ذاتها ان نخترق «الحراسة المشددة» المضروبة على المراكب المحجوزة بالميناء ونلتقط صورا للمركب «مرتضى» الذي لا يزال هناك وقد بدا في حالة يرثى لها مثلما استطعنا ان نلتقط صورا لشقيقه «محمد الهادي» الذي تحول الى اداة زينة على حافة الطريق!
ولم يدهشنا - حيال كل هذا ان يرد البحارة والاشقاء المجهزون الفعل ولكن بطريقة حضارية راقية وقانونية اذ تحركوا من جديد لمواجهة الظلم - موجهين مراسلات الى العديد من اعضاء الحكومة والامناء العامين للاحزاب والبرلمان الاوروبي والبرلمان الايطالي والمنظمات الحقوقية الوطنية والاقليمية والدولية.
ولكنهم ايضا يستعدون لمراسلة جميع قادة العالم والبابا لأنهم يؤمنون بعدالة قضيتهم وهي فعلا قضية عادلة - مثلما يؤمنون بأنه «ما ضاع حق وراءه طالب»
ولن يسكتوا ولن يسكت كل الذين ساندوهم ووقفوا الى جانبهم يدافعون عن القيم والمبادئ الانسانية النبيلة الا متى انطفأت شعلة الظلم التي تتمسك بها محكمة «اقريجنتو» الموقرة وترفعها عاليا.
* عبد الكريم سخايرية