آخر تطورات قضية البحارة التونسيين: قضايا ضد المحكمة الايطالية، ودفاع صدّام على الخط
Al Chourouk - 2008-12-30Lu 522 fois
* تونس (الشروق) :
عفوا ان عدنا الى قضية البحارة التونسيين السبعة الذين يحاكمون أمام القضاء الايطالي بلا جريرة.
فالتعاطي مع القضية كان منذ البدء عصيا على الفهم ولا يزال، وكان معقدا ولا يزال، وكان كذلك غير معقول ولا يزال حتى هذه الآونة.
وهذه حقيقة تتأكد أولا من خلال اصرار السلط الأمنية «بلا مبدوزا» الايطالية على اعتقال البحارة السبعة وحجز المركبين اللذين كانوا على متنهما، وثانيا من خلال ما تعرض له هؤلاء البحارة، أثناء فترة الاعتقال الصعبة وغير المحتملة، من تعذيب نفسي وجسدي كان أشبه بأنشودة تعذيب يؤديها القائمون على حراستهم. بل أشبه بمباراة يبرهن فيها كل واحد منهم على ما اكتسب من قدرة خارقة وكفاءة عالية في اذلال الآخر وإهانته كما لو انه من المجرمين العتاة. ولا أدل على ذلك من ارغام الطالب البحار محمد أمين بيوض على نزع كل ثيابه أمام أبيه المعتقل معه، وحشر البحارة السبعة في زنزانة ضيقة، واجبارهم على النوم على أرضية اسمنتية لا فراش عليها وتنساب عليها مياه باردة وحرمانهم من الطعام (!).
ثم تتأكد الحقيقة من خلال اصرار محكمة «اريجنتو» المحترمة على تأجيل القضية من جلسة الى أخرى حتى بلغ عدد الجلسات أربعين جلسة، والعدد مرشح ـ بالطبع ـ للزيادة وكذلك من خلال اصرارها على مواصلة حجز المركبين دون ان تستطيع حمايتهما من الاستغلال غير القانوني والنهب المتعمد، رغم انه يفترض قانونا ان يكونا في مأمن وفي منأى عن كل أشكال الاستغلال طالما أنهما على ذمة القضاء تحت حماية المحكمة الموقرة.
ولكن، المحكمة المحترمة غضت الطرف عن انتهاك القانون والتعدي على الحقوق، فنهب من نهب بعض مكونات المركب «مرتضى»، واستغل من استغل المركب «محمد الهادي» كمجسم زينة على حافة طريق عام «بلا مبدوزا» بعد ان نهبت مكوناته (!).
* ضغوطات
واذا توقفنا عند النموذج الصارخ من التعاطي الغريب مع القضية والذي يمثله نهب مكونات المركبين واستغلال أحدهما دون وجه قانوني أدركنا السبب الجوهري الذي جعل محكمة «اريجنتو» المحترمة تؤجل البت في القضية من جلسة الى أخرى.
ودعونا نقول بلا مواربة إن المحكمة الموقرة لم تقف على الحياد ولم تكرس استقلالية القضاء، كما يفترض وانما انحازت الى مصلحة الطرف الايطالي حتى لا نقول انها انحازت الى مصلحة بلادها.
وأغلب الظن انها (أي المحكمة الموقرة) أذعنت لضغوطات مورست عليها لئلا تصدر أحكاما لصالح البحارة وأصحاب المركبين المحجوزين.
ذلك هو ما يعتقده اعتقادا راسخا، كل الذين آزروا بحارتنا السبعة وساندوهم من منظمات حقوقية وشخصيات برلمانية وسياسية، ايمانا بعدالة قضيتهم.
بل ان ذلك هو الانطباع الذي عبرت عنه قبل أيام وسائل اعلام وشخصيات ايطالية، ما يصح معه القول «وشهد شاهد من أهلها».
ولعل الغاية من ممارسة تلك الضغوطات ليست خافية. ولكن ثمة وجهة نظر أخرى عبّر لنا عنها بعض ممثلي المنظمات الحقوقية الايطالية والأوروبية وبعض البرلمانيين الأوروبيين، فقالوا إن الضغوطات لا ترمي الى حرمان البحارة وأصحاب المراكب من التعويضات وحسب، وإنما ترنو الى هدف أبرز وأهم هو التعبير عن موقف إيطالي رافض لتلك التحركات الاحتجاجية التي قامت بها ولا تزال تلك المنظمات الحقوقية والشخصيات البرلمانية والسياسية.
ومن هنا، نفهم ـ كما قال المفوض القانوني للبحارة السيد عبد القادر نويرة ـ لماذا تصرّ المحكمة المحترمة على تأجيل القضية.
ومن هنا أيضا، يمكن القول، دون خشية من الوقوع في دائرة التقديرات الخاطئة، إن الأحكام لن تكون ـ وللأسف الشديد ـ لصالح المظلوم، وإنما لفائدة الظالم.
* القضية... الفيلم
في الواقع، هذا طرح غير خاطئ، وهذا ما يتوقعه الجميع حتى الآن، آملين أن تثوب المحكمة الموقرة الى رشدها ولو في اللحظة الأخيرة وأن تأخذ بأسباب البراءة فتعلي شأن الحق وتنتصر له، وليس هذا الذي ذكرنا سابقا وذكرنا الآن سوى وجه واحد من القضية.
أما وجوهها الأخرى فستنكشف في الآونة المناسبة عندما تواجه المحكمة الايطالية الموقرة ردود فعل دولية يجري الآن الترتيب لها في عدة عواصم، وحينما تجد نفسها إزاء عشرات القضايا العدلية المرفوعة عليها أمام المحاكم التونسية والأوروبية من قبل البحارة وأصحاب المركبين والمنظمات والشخصيات المؤازرة.
والأمر المؤكد الذي قد تكون محكمة «أريجنتو» المحترمة لم تأخذ به علما حتى الآن أن اتصالات تجري اليوم بين بعض المنظمات وعدد من كبار المحامين العرب والأجانب من بينهم من دافع عن الرئيس الشهيد صدام حسين لتشكيل فريق دفاع في القضايا التي سترفع على المحكمة وعلى أي حال، القضية لم تغب عن أنظار المخرجين السينمائيين بالنظر لغرابتها ولما حفّ بها من ملابسات عجيبة.
فقد اهتم بها مخرج ألماني من أصل تونسي وصوّر وقائعها وفصولها، واقعة واقعة، وفصلا فصلا، بين ميناء ببلد شقيق انطلق منه «الحارقون» الذين أنقذهم بحارتنا السبعة، وميناء «لامبدورزا» والمعتقل الذي حشر فيه هؤلاء البحارة لعدة أيام قبل أن يتم الافراج عنهم، وميناء طبلبة الذي انطلق منه البحارة.
حقيقة، القضية عصية على الفهم وغريبة، وأغرب منها الطريقة التي تتعاطى بها محكمة «اقريجنتو» المحترمة، وعفوا إن ختمنا بحكاية البحار الايطالي العجوز «بيتاترو روسي» الذي أنقذ يوم 24 سبتمبر 2006 حوالي 28 «حارقا» كانوا على مشارف الموت، غرقا، في عرض سواحل سيسيليا (جنوب ايطاليا)، فتلقى قبل نهاية تلك السنة رسالة شكر وتقدير من القيادة العليا للقوات البحرية الايطالية وجازته في العام الماضي المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، فقدمت له مكافأة مالية قدرها 10 آلاف أورو، لتشجيعه على هذا العمل الانساني النبيل ولحفز همم بحارة المتوسط كي ينقذوا كل من تكون حياته في خطر في عرض البحر.
مفارقة عجيبة وغريبة: التقدير والتشجيع للبحار الايطالي والاعتقال والمحاكم للبحارة التونسيين.
وإنها ليست إلا عدالة القضاء بمنطق محكمة «اقريجنتو» المحترمة وعلى طريقتها الخاصة.
* عبد الكريم سخايرية