في منطقة دار بالواعر (النفيضة): «فهمي» لا يتحرّك ولا يتكلّم ولكنه «يصرخ»: لماذا توقفت منحتي؟
Al Chourouk - 2009-02-19Lu 793 fois
* مكتب الساحل ـ «الشروق»:
لا يتحرك... لا يتكلّم... فقط يتألم.
لم تكن مأساته منحصرة في إعاقته التامة بل تتعداها الى الناحية المالية فمنذ سنة 2006 بات محروما من منحة الاعاقة وأصبحت جراية والده (61 دينارا) الدخل الوحيد لأسرة متعددة الأفراد.
هكذا وجدنا فهمي مبروك (29 سنة) عندما زرناه مؤخرا في منزل والديه الكائن بمنطقة «منزل دار بالواعر» من معتمدية النفيضة (ولاية سوسة).
حين زرناه داخل البيت كان «فهمي» ممددا في فراشه لا يكاد يتحرّك لكن نظراته كانت توحي لنا انه كان يتابع حديثنا بانتباه. جلس والده «عبد الله» بجانبنا في صمت مطبق وكأن حزنه اكبر من الكلام وحذوه صهر العائلة السيد «حسن» في ما كانت الأم «عائشة» تبحث في بعض أوراقها ثم قالت بعد صمت طويل وهي تطلعنا على إحدى الوثائق الطبية «انظروا لقد مرضت بالقلب جراء ابني فهمي حسرة ولوعة على حالته بعد ان تعبت وهدتني الشيخوخة وأنا أتنقل به بين المستشفيات ليتابع حصص التدليك بـ «قصر السعيد» بالعاصمة عسى ان تتحسن حالته ولو قليلا لكني منذ سنتين انقطعت عن نقله بعد ان يئست وبت عاجزة عن حمله الى العاصمة خاصة واني لا استطيع نقله على سيارة اجرة لأنه لا يستطيع الجلوس لمسافة طويلة وبالتالي فإني اضطر لكراء سيارة لأنقله في فراشه لكننا عجزنا عن توفير مصاريف نقله خاصة بعد توقف المنحة التي كان يتقاضها طيلة 18 سنة..».
* بداية المأساة
وبسؤالنا للأم «عائشة» عن بداية مأساتها مع ابنها اطلقت زفرة طويلة وقالت: «... عمر «فهمي» الآن 29 سنة قضيتها معه بين المستشفيات ومراكز الشؤون الاجتماعية. لقد ولد ابني هكذا لا يتحرّك ولا يتكلّم لكنه يسمع ويفهم كل ما يدور حوله وأنا الوحيدة التي أفهم إشاراته او حتى نظراته لذا فإني مثله لا أتحرّك ولا اخرج من البيت وقد اعتزلت الحياة لأجله. فأنا لي ابن واحد متزوج اضافة الى «فهمي» و6 بنات: 3 تزوجن و3 يعشن معي بالمنزل واحدة منهن تعاني من إعاقة سمعية... أحيانا يعاتبنني البنات المتزوجات لماذا لا أزورهن لكني لا أقدر على فراق ابني المعاق ولو لحظة فأنا التي اهتم بكل شؤونه أطعمه... أغيّر له ملابسه وأضع له «الكوش» فهو عاجز تماما عن الحركة!!!».
وهنا يتدخل الأب «عبد الله» وهو يمدنا ببعض الوصولات «أنظر أنا أتقاضى 61.317 دينارا في الشهر بعنوان منحة شيخوخة وقد اشتغلت سابقا في بعض الضيعات الفلاحية لكن دون أجر قار فكيف يمكنني ان أجابه مصاريف هذا الطفل المعاق الذي يحتاج الى رعاية خاصة من أدوية وتنقل فمصاريف الحفاظات فقط تفوق ثمن جرايتي إضافة الى بقية مصاريف اخوته البنات العاطلات؟؟؟».
* المنحة توقفت
سألنا الأب ان كان «فهمي» يتقاضى منحة او أية مساعدة فأجاب بحزن وألم «لقد كان يتقاضى منحة خلال كل 3 أشهر وصلت الى حدود 150 دينارا، وقد ظل يتمتع بهذه المنحة طوال 18 سنة الى حدود سنة 2006 حيث انقطعت دون أسباب واضحة رغم ان هذه المنحة لا تغطي الا جزءا من المصاريف الا اننا كنا نستفيد منها لإعالة ابني».
وهنا تقاطعه الأم «إنها منحة ابني وحقه في حياة كريمة فهي على الاقل تحفظ له كرامته. ماذا سيفعل المسكين من بعدي وهو معاق لا يتحرك؟ من سينفق عليه؟ إخوته؟ من يضمن؟ فحين تكون لديه جراية على الاقل لن يحتاج لمن ينفق عليه لأني لا أريده ان يتسوّل او يتوسل لأحد.. لا أريده ان يظل عالة ولو على إخوته خاصة من بعد وفاتي» (... وتغرق أم فهمي في البكاء).
* أسباب توقف المنحة
يتدخل السيد «حسن» وهو صهر العائلة موضحا بعض النقاط «لقد قمنا بعدة محاولات لاسترجاع المنحة واتصلنا بعدة أطراف لكن لم نجد إجابة واضحة عن سبب انقطاع المنحة خاصة وأنها ظلت تأتي بانتظام كل 3 أشهر طيلة 18 سنة، البعض يقول لنا ان السبب يعود الى ان المنحة تأتي باسم الأب لأن «فهمي» لا يستطيع ان يتحرّك او حتى يبصم وبما ان الأب له منحة شيخوخة كل شهر فقد قيل لنا انه لا يستطيع ان يتحصل الأب على منحتين في نفس الوقت؟ وقد أشار الينا بعض المسؤولين بضرورة استخراج بطاقة تعريف لـ «فهمي» قصد صرف المنحة باسمه فقمنا باستخراجها بعد جهد جهيد خاصة وأن «فهمي» كما أشرت لا يقوى على الحركة لكن لاشيء تحقق والمنحة لم تعد منذ سنتين؟».
وهنا تشير الأم الى معاناتها اليومية من اجل الترويح قليلا عن ابنها «فهمي» الذي قد يشعر بالملل والاختناق جراء وضعه الذي يدمي القلوب فتضطر لحمله قليلا على كرسيه المتحرّك لتجلسه امام المنزل ثم قامت وأطلعتنا على حالة الكرسي الذي تحصلت عليه دون عجلات قبل ان تقوم باصلاحه... وقد عاينا حالة الكرسي الذي شدّ ببعض الحبال والمناديل.. في الأثناء رفع «فهمي» رأسه وهمهم ببعض الكلمات فقالت الأم «أتدري ماذا قال؟.. لقد قال: «أرجعولي المنحة».
* نقل معز دبش