في العلا: مأساة عائلة فجعت في عريسين
Al Chourouk - 2009-03-04Lu 763 fois
* العلا ـ القيروان (الشروق)
احتارت السيدة خديجة وابنتها خدوجة أي عزيز تبكيان، فالأولى فجعت في ابنها وحفيدها والثانية فجعت في فلذة كبدها وشقيقها، فالهالكان ليسا إلا الشاب وخاله (الشاب) ومنزلان للعزاء لأسرة واحدة، جنازة واحدة وقبران.
لا يزال جهاز العروس في مكانه في منزل القرينة ينتظر العريس الغائب، وفي منزل آخر غير بعيد توقّفت أشغال تهيئة المنزل وسال حبر الدعوات كما سالت العبرات بعد أن رنّ جرس الهاتف ينقل المأساة.
الشاب سفيان الزعيري (21 ـ 02 ـ 1985) وخاله نعيم السبوعي (23 ـ 06 ـ 1980) أصيلا منطقة العلا بالقيروان لفظا أنفاسهما في حادث مرور رفقة شاب آخر، إثر اصطدام شاحنتهم الخفيفة بشاحنة ثقيلة خلال الليلة الفاصلة بين الثلاثاء والأربعاء على مستوى الطريق الرئيسية بمنطقة كندار (سوسة).
«الشروق» كانت نشرت خبر الحادث في عددها الصادر يوم الأربعاء بتاريخ 25 فيفري 2009، ونظرا لشدة الفاجعة على الأهل، «الشروق» رافقت رحلة أحزان أهل الشابين بالعلا لتقصي مزيد التفاصيل عن المأساة وآثارها النفسية على الأهل.
كانت السيارة التي أقلّتنا تطوي الطريق الفاصلة بين القيروان والعلا طيّا كأنها في عجلة من أمرها تسارع الأفكار والخواطر المتراكمة والأسئلة تنتظر إجابات شافية.
كانت الطريق الفاصلة بين العلا وحفوز على مسافة نحو 14 كلم تقطع حقول أشجار اللوز المزهرة التي صنعت الربيع بالمنطقة الهادئة. سلكنا الطريق الترابية بين صفوف غراسات التين الشوكي التي رسمت ما يشبه المتاهة.
.. وصلنا.. كان السكون والصمت يخيمان على منزل السيد إبراهيم السبوعي (71 سنة). تعرفنا عليه من بين الحاضرين مطأطئا الرأس يخفي وجهه بين كفيه لا تبرز منه إلا الشاشية التقليدية الحمراء بلون تلك الدماء.. جلسنا.. وخيّم الصمت.
لم نتجرّأ على مقاطعة سكونه الباعث على الخشوع، كنا ننتظر أن يباشر أحدهم بالحديث، عبارات من الارتجاع والتعازي تقطع الصمت وأخيرا تنهّد الحاج ابرايهم وأفرغ قلبه وأرخى العنان لشجونه.. هكذا تبدأ حكاية الأحزان.
* هاتف الليل
هاتف آخر الليل لا يأتي بخير ومع رنينه المفزع تقفز القلوب من مكانها خشية الخبر.. ليلة الواقعة رنّ جرس هاتفه ما بين الساعة الثانية والثالثة فجرا، ارتعشت يداه وهو يمسك بالهاتف الجوال يبحث عن زرّ الاتصال، فإذا الصوت يحمل صاعقة.
ذكر ا لحاج إبراهيم أنه خرج ولم يخبر زوجته خشية تأزّم صحتها وتفاقم مرضها ولكنها علمت بأي حال وبدأت رحلة الحزن والبكاء بين المستشفيات ونقل الجثة بين سوسة والقيروان والعلا.
ذكرت خديجية والدة نعيم التي وجدناها وقد انتحت ركنا من المنزل وهي تنتحب غير مبالية لصحتها، أنها كانت ليلة الواقعة بصدد انتظار ابنها بعد أن وعدها بالقدوم لحملها الى المستشفى للعلاج. وذكرت أنه اتصل بها ظهر يوم الواقعة ليطمئن على أحوالها وقال لها «المساء أكون عندك».. بقيت تنتظر ولم يغمض لها جفن الى أن رنّ جرس الفاجعة، وكان هذا في العلا.
أما في القيروان حيث يقيم والدا الهالك سفيان فلم يكن الأمر مختلفا عدا بعض التفاصيل وفارق توقيت في وصول الخبر.
السيد علي (60 سنة) التقيناه في منزله بالعلا يخفي علامات الحزن المرسومة على وجهه تحت برنسه، وعلمنا أنه خيّر نقل جثمان ابنه من القيروان ليدفنه هناك في مسقط رأسه.
ليلة الواقعة شعر الوالد علي بانقباض فصلّى وقرأ ما تيسّر من القرآن الكريم، وهو ذات الشعور الذي أصاب زوجته (خدوجة) التي أخبرته بأنها تشكو ثقلا في رأسها وارتعاشا في أعصابها كأنما شعرت بأمر مريب لم تتعرّف الى مصدره فأبناؤها الثلاثة كل في جهة، فدخلت غرفتها على أمل أن تخلد للنوم.
ظلّ الوالد ساهرا قبل أن ينتبه الى جرس الهاتف، بادئ الأمر رفض أن يجيب مخاطبه خشية خبر سيئ ولكنه في النهاية أجاب. سألته زوجته عن الموضوع فرفض إعلامها خوفا على وضعها الصحي بسبب مرضها (ارتفاع ضغط الدم) وهمّ بمغادرة المنزل للالتحاق بالمستشفى ولكن هاتفها أثناها عن الالحاح في السؤال بعد أن تلقت الخبر حرفيا «ابنك سفيان وشقيقك نعيم توفيا»، فأي أرض تقلّ السيدة خدوجة وأي صبر يلزمها لتحمل الخبر الصاعقة.
* تفاصيل المأساة
كان لا بدّ لنا أن نتعرف الى تفاصيل الحادث فعلمنا من بعض الأقارب أن سفيان وخاله كانا يقيمان في العاصمة (حيث يعملان) وقد عزم نعيم على العودة الى العلا لاصطحاب والدته الى المستشفى، وفي طريقهما عرجا على صديق لهما في مدينة الحمامات ليأخذاه في جولة على متن شاحنة النقل الى قريتهما التي حدثاه عن جمال طبيعتها ونقاء هوائها وطيبة أهلها.
كانوا حوالي العاشرة ليلا في طريقهم الى القيروان لكن شاحنتهم اصطدمت قرب مدينة كندار (ولاية سوسة) بشاحنة ثقيلة (ليبية) مما أدى الى هلاك الثلاثة على عين المكان بعد أن تحولت مقدمتها الى حطام. وقد تمّ نقل جثثهم الى مستشفى النفيضة كما تمّ نقل سائق الشاحنة الذي أصيب بكسر في إحدى ساقيه لتلقي الاسعافات.
وأكد الشقيق أن الطريق التي وقع فيها الحادث شهدت عديد الحوادث وتساءل إن كان هناك من عيب يجعلها كذلك، وإذا كانت هناك نقائص فلم َ لم يتم تداركها إن كان على مستوى الإنارة أو الاشارات أو غيرهما بهدف حماية الباقين.
وقد تولت الجهات الأمنية فتح تحقيق في الغرض وإجراء المعاينة الموطنية لتحديد المسؤوليات.
* زفاف... وتعاز
عقد كل من نعيم وسفيان قرانه ليلة القدر الفارطة. وقد اختار كلاهما أن تكون إبنة العم شريكة حياته. كان من المفترض أن يحتفل نعيم بزفافه يوم المولد النبوي الشريف ولكن وفاة أحد أفراد العائلة منذ شهرين أجبره على تأجيل الزفاف بعد أن وزع الدعوات. وقرّر أن يكون يوم زفافه مشتركا مع إبن أخته سفيان.. لكن عاصفة البكاء حلّت محل نسمات الفرح وتحولت الزغاريد الى عويل والمدعوون هم أنفسهم أصبحوا معزّين.
«الكبدة صعيبة.. نار تشتعل رغم إيماني القوي بالقضاء والقدر. لقد حلمت ليلة الواقعة أنني أزفه في موكب ضخم» هكذا تحدث والد سفيان السيد علي.
وأضاف أنه بنى لابنه المنزل وجهزه في انتظار موعد الزفاف. وأكد أن ابنه (الهالك) جلب الى عروسه جهازها خلال موسم عيد الاضحى.
كانت الزغاريد انطلقت منذ أيام وتزايدت وتيرتها مع تقدم التحضيرات. وقد ساهم فيها الاشقاء والوالدان كل حسب امكاناته وفق عادات القرية.
«يومها كان آخر يوم يجلس فيه معه ويراه في جلسة فطور وقد اشتقت إليه وقد كنت أذكره ولكن اللّه ذكره»، كذلك كانت ذكريات علي الزعيري مع ابنه الأصغر وهو يقول «لقد كان يمشي على رموشي».
أما عن الوالدة خدوجة فحدث ولا حرج، فقد أغمي عليها في مناسبتين استوجبتا نقلها الى المستشفى بسبب مرضها بضغط الدم وعدم قدرتها على تحمل الصاعقة. اقتربنا منها لنسألها لكننا وقفنا عاجزين عن الحديث معها وهي تذرف الدموع الغزيرة.
كان الأمر فوق قدرتها على التحمل كيف لا وقد نكبت في ولدها الأصغر وفي أحبّ أشقائها إليها في آن واحد فأي امرأة تقدر على هذه النكبة، أما والدتها خديجة التي أنهكها البكاء حتى جفّت دموعها فعبث الحزن بوجهها بخطوط وندوب لن تمحى كما لن يمحى حزنها من قلبها.
مساء الحادث وقفت هذه المرأة الصامدة رغم عظم المصاب الى شجرة اللوز المثمرة وقدمت وصية لابن عمّ ابنها وكرّرتها ثلاثا «أوصيك بنعيم» وقالت إنها شعرت أن شيئا حصل في علم الغيب.
«لا أصدق وفاته لقد كلمته قبل ساعات، لقد عقد قرانه قبل أشهر وحضر جهازه.. أرى زوجته وأدباشه وصوره، أبكي قليلا وأتوقف ويعاودني البكاء وبين هذا وذاك أنكر وفاته» بهذه الكلمات المتقاطعة ومشاعر الأم الحزينة أنهت الوالدة خديجة حديثها ثم تركناها لتنخرط في بكائها وهي تخفي ندوب وجهها.
وهنا تدخل الوالد إبراهيم وهو يجتهد في اخفاء دموعه، قائلا «إنهما شخصان عزيزان وليس لي غير الصبر». وذكر لنا بعض أقاربه أنه فقد وعيه ولا يزال يشكو من أعراض غيبوبة.
كان يشير الى الاستعداد الذي بلغته أشغال تهيئة المنزل لاحتضان حفل زفاف ابنه ويعرض لنا مواد البناء التي أعدها للغرض وأضاف قائلا «أنظر الى مواد البناء.. لقد كنا بصدد إعداد المنزل بناء على توصياته من أجل الزفاف».
يوم جنازة الهالك وخاله لم يكن حدثا عاديا في العلا جنازتان خرجتا من منزل واحد بحزن واحد وخشوع لا مثيل له. وفي تشييعها حضر ما يزيد على ألف شخص من مختلف مناطق الجمهورية. وذكر نجيب شقيق نعيم كما ذكر زياد شقيق سفيان أن حشود العزاء غطّت الطريق الرابطة بين المقبرة والمنزل، بينما كان جبل طرزة الشامخ يطل على أحزانهم ويشاركهم المأساة لفقدان عزيزين عليهم.
زياد شقيق سفيان الأكبر (26 سنة) جاء من السويد ليشهد جنازة شقيقه وصديقه بعد أن بلغه خبر وفاته هو وخاله وهو يذكر آخر مكالمة له مع الهالك «اتصل بي وأوصاني بأن أجلب له بعض الملابس لزفافه».
* متابعة ناجح الزغدودي