مأساة أربع شقيقات من حفوز بين العجز وغياب السند: الإعاقة واليتم قاسمهن المشترك فمن يخرجهن من هذا المعترك؟

Al Chourouk - 2009-03-07
Lu 763 fois

* القيروان ـ حفوز (الشروق):
خرجت الأولى تمسح الأرض زحفا لتطرق باب جارتها تسألها رغيف خبز تسدّ به الرمق، فيما سعت الثانية على كرسيها المتحرك البالي تدفع عجلتيه بيدين كسيحتين إلى طلب حبات برتقال اشتهتها أما الثالثة التي افترشت عتبة المنزل ترقبها فتمنّت عصيرا اشتهت مذاقه.
وهناك في مكان آخر ترقد رابعتهن بالمستشفى تنتظر زيارة يائسة من إحداهن. هؤلاء لسن سوى شقيقات وضعهن القدر على رصيف الفقر وقارعة اليتم ورهن الكرسي المتحرك.
«الشروق» التقتهن بلا مساحيق ولا روتوش في مقر إقامتهن بحفوز (ولاية القيروان).
تضم هذه الأسرة أربع فتيات مقعدات يتيمات  وحيدات: لطيفة من مواليد 23 ـ 03 ـ 1971 ومريم 7 نوفمبر 1960 وجنات 11 ـ 02 ـ 1966 وحبيبة من مواليد 8 مارس 1946 كريمات المرحوم العماري زيتوني. جميعهن يشتكين من إعاقات عضوية مزدوجة ناتجة عن مرض وراثي سبب لهن شللا نصفيا وصعوبة في استعمال الأطراف والأصابع أدّت إلى صعوبة وعجز عن الحركة.
* إعاقة موروثة
عندما وصلنا إلى المنزل واستئذنّا للدخول وجدنا الباب يفتح لكن لم نتبين من فتحه، وعندما نظرنا أسفل الأرض وجدنا نصف جسم آدمي يحبو على الأرض يحمل بين كتفيه رأس فتاة نحيلة هزيلة تسأل عن مبتغانا وحالما أعلمناها بهويتنا تقهقرت إلى الخلف لتفسح المجال للباب ليفتح ولم نكد نخطو خطوة إلى الداخل حتى كدنا نتعثر في هامة بشرية.
عندما بدأنا الحديث كانت مريم وحبيبة ترغبان في حضور شقيقتهما جنات التي خرجت تلتمس حبات برتقال اشتهت حبيبة عصيرها، وتمنت مريم لو أن لديها كرسيا متحركا للخروج في طلبها، كأنهما ترغبان في أن لا يفوتها شيء مما سنخوض فيه وجاءت الشقيقة المرتقبة تتدحرج في كرسيها المتحرك الذي تآكلت أصبع يدها الكسيحة من دفع عجلاته لكنها لم تكن تحمل برتقالا وعن سبب ذلك علمنا أنها لم تحمل المال لأنهن لا يملكن منه شيئا.
وعندما سألناهن عن شقيقتهن الرابعة (لطيفة) أجبننا أنها تقيم في المستشفى (قسم أمراض القلب) بسبب اصابتها بانسداد في شرايين ساقها اليسرى الذي رافقها منذ زمن لكن تحتم نقلها مؤخرا للعلاج.
وذكرت مريم أن جميعهن ولدن معوقات في قرية «طرزة» الجبلية (ولاية القيروان) وقد كبرت معهن الإعاقة. وعندما رحل الوالدان انتقلن إلى مدينة حفوز تصحبهن تلك الإعاقات لكن ما خفف وطأتها هو تكفل شقيقهن برعايتهن لكن الأخير ما لبث أن وافاه الأجل اثر مرض عضال فتك به وهو في سن الشباب كأنما كتب على الأخوات الأربع الشقاء المؤبد والحرمان من السند.
وذكرت جنات أن شقيقها توفي اثر إصابته بمرض السرطان ولم يجد ما يعالج به، وذكرت ان صعوبة وضعه المادي لم تمنعه من رعايتهن والانفاق عليهن. وأضفن أنه كان يخرجهن للتجول ويسعى جاهدا إلى التخفيف من آلامهن النفسية وعجزهن البدني، لكن مع رحيله فقدن بهجة الحياة ودخلن في متاهة الوحدة ودوامة الحياة التي لا ترحم ضعيفا.
أما حبيبة التي قابلناها في المستشفى فأكدت أنهن فقدن من يكفلهن ويعيلهن ويحميهن منذ وفاة الأبوين والشقيق.
ولعلّ أشد ما يؤسفهن هو أن لديهن شقيقين أحدهما يعمل إطارا ساميا (مدير إحدى المؤسسات) والآخر عاطل عن العمل وقد أنكرا صلتهما بهن وقطعا صلة الرحم بهن منذ زمن، فكيف بالغرباء؟
وأثناء الحديث لاحظنا اضطرابهن الممزوج بالخجل وهن يتأسفن لعدم توفر كراس عدا قطعة الآجر في الزاوية، فهن لا يملكن الكراسي ويعجزن عن الجلوس عليها والوصول إليها وإلى أصحابها، فصرفنا النظر عنها بدورنا.
وعندما علمت الجارة ناجية وشقيقتها مريم هرعتا إلى المنزل تستطلعان الأمر وأقسمت ناجية أثناء الحديث عن خصاصة جاراتها، اللاتي كثيرا ما يأتينها زحفا من أجل ثمن رغيف الخبز وأكدت ان الفتيات يعجزن عن الحركة بسبب قصورهن عن قضاء شؤونهن، لكنها أشادت في المقابل بصمودهن في قضاء شؤونهن الخاصة وأكدت قائلة «إنهن معجزة» دون أن تتمكن من إخفاء ما يعانينه في ارتياد دورة المياه والاستحمام.
وأكدت لنا ـ غير مدعية فضلا في ما تقدمه ـ أنها تجلب لهن طعام العشاء والفطور وتسهر على شؤونهن حسب ما يتوفر لها من جهد ووقت نظرا لكونها الجارة اللصيقة لمنزلهن.
وأقسمت أنها وجدتهن أكثر من مرة ينقعن الخبز اليابس في الماء عند غياب الحليب وعندما تنقطع عنهن هبات الجيران.
اطلعنا على المطبخ، كانت الأواني مبعثرة ونظيفة لعدم استعمالها، كما كان المطبخ خاليا من رائحة الخضر... وبخار القدر، وتفحصنا قارورة الغاز فوجدناها فارغة فهن يأكلن من عطف الناس ومطبخ الجيران.
* «الأكل قبل الغطاء»
علمنا أن المعوقات الأربع استفدن في الأيام القليلة الماضية من مساعدات عينية متمثلة في أغطية صوفية وعلب كرتونية تحتوي على مواد غذائية في إطار ما دأبت عليه الدولة لمساعدة ضعاف الحال. ونظرا إلى أن هذه الصفة تنطبق على أولئك المعوقات ـ باعتراف السلط المحلية ـ فقد تم إدراج الأسرة في لائحة المستفيدين.
وأكدت نجاة أنهن تحصلن على غطاء صوفي (زاورة) وبعض ملابس الأطفال (؟) وأكدت أنها احتجت لدى القائمين على توزيع هذه المساعدات وتمسكت بطلبها في الحصول على المواد الغذائية لكن يبدو أن هناك من هو أولى بها منهن، وأكدت مريم أنهن يحتجن إلى الغذاء أكثر من الغطاء... (للأمانة نقول إن الغطاء الواحد لا يكفي لطرد البرد عن 4 فتيات راشدات).
وحتى نكون موضوعيين في نقلنا لقصة هذه الأسرة البائسة فلا بد من الإقرار بما تمتعت به البنات الأربع من عناية السلط المحلية بحفوز ومساعدتهن.
فقد تم تمتيعهن بمنحة قارة تقدر بـ150 دينارا كل ثلاثة أشهر وهي تكفيهن لتسديد معلوم الكراء وفواتير الكهرباء (آخرها بلغت 30د) والماء والغاز والدواء... وللتحديد فإن المنحة تشترك فيها مريم وحبيبة، وسيجد المعنيون عذرا بالقول إن لطيفة ونجاة متزوجتان كما تم إعلام لطيفة عند تقدمها بالطلب... لكن...
كما تم توفير كرسي متحرك لكل واحدة منهن منذ سنوات. وبالتالي فإن السلط لا تتحمل أية مسؤولية إن تحولت إلى خردة بمفعول الزمن. وعلمنا أنه تم وعدهن بتمكينهن من كراس متحركة «ستأتي قريبا» .
وذكرت مريم أنها حازت على جائزة نتيجة تفوقها في دراسة محو الأمية التي تفوقت فيها رغم إعاقتها لكنها تسلمت الجائزة العينية ولم تتسلم نقدها بعد لسبب تجهله.
كما استظهرت مريم ببطاقة الإعاقة التي تخول لها مجانية التنقل والأولوية (في...) كدنا نقول في العلاج لكننا علمنا أن لطيفة المقيمة في المستشفى والتي تتمتع بعناية خاصة من الإطار الطبي لطبيعة إعاقتها، مطالبة بدفع معلوم الإقامة كاملا بموجب القانون الجديد الذي يستثني بطاقة المعوق وبالتالي فإن صلوحية هذه البطاقة لم تعد سارية المفعول (حسب مصدر رسمي بإدارة المستشفى).
كما لا ينكرن أن والدهن تحصل على منزل في منطقة «طرزة» منذ أكثر من 30 سنة ولكنهن لا يستطعن العيش فيه بسبب صعوبة الظروف هناك وعسر التأقلم مع الإعاقة.
* أحلام
كما أكدت لطيفة التي ترقد في المستشفى أنهن تلقين مساعدة من المسؤولين. وقد أجمع الرباعي على أن أهم مطلب لديهن وهو الأشد إلحاحا هو توفير مسكن لائق سواء عن طريق المساكن الاجتماعية لصندوق التضامن أو بتكفل الصندوق بتسديد معلوم كراء مسكن تراعى فيه الجوانب الصحية وحالات الاعاقة.
أما المطلب الثاني والذي لا ينفصل عن الأول فهو تخصيص منحة فردية لكل «فتاة» منهن لأن حالتي الزواج في نظرهن ليست ذريعة فالزواج الذي لم يمنع الخصاصة لا يحرم من المنحة حسب تعبيرهن ولعل ذلك يمنعهن من التسول ويعفيهن العناء الكثير ويحفظ كرامتهن.
من جهة أخرى فقد أجمعن على ضرورة توفير كراس متحركة تشتغل بالكهرباء لأنهن يعجزن عن دفع عجلات الكرسي صيني الصنع الذي سرعان ما يحال إلى التقاعد ويعيق المعوق.
كما أنهن يحلمن بتخصيص ممرضة أو معينة منزلية تتكفل بالعناية بهن بما يتعلق بالطبخ والنظافة والعناية الصحية. كما يطالبن بتوفير دفاتر علاج مجانية أمام عدم صلاحية بطاقة الإعاقة. كما يأملن في وصول المساعدات العينية التي تقرها الدولة للمعوزين وفاقدي السند إليهن. مع وجود طلب خاص لمريم وحبيبة اللتين تجيدان الطريزة ويطلبان الحصول على قرض أو بعضا من المواد الأولية حتى ينخرطا في الإنتاج ويندمجا في المجتمع حتى لا يكونان عالة على أحد. * متابعة ناجح الزغدودي



Mars 2009
LMMJVSD
01
02 03 04 05 06 07 08
09 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31
<< >>