«الشروق» تواكب لحظة بلحظة جنازة «سنية» بالقلعة الصغرى: عندما تستنطق العائلة «الجثة» لمعرفة خفايا المأساة
Al Chourouk - 2009-03-18Lu 961 fois
* الشروق ـ مكتب الساحل
أخيرا... وبعد غياب طويل عادت سنية إلى أهلها... عادت جثة هامدة، لكن عائلتها وخصوصا والدتها وشقيقاتها كن يتحدثن إليها وكأنها على قيد الحياة... مشهد مؤثر... تصوروا : كن يسألن جثة سنية وينتظرن منه اجابة... سألنها عن الكيفية التي قتلها بها زوجها... ومن ساعده... ولماذا... وغيرها من الكلمات التي تدمي القلوب... لكن... هل يتكلم من فارق الحياة... طبعا لا...
كانت الدقائق تمر كالدهر... وكان الجميع ينتظر وصول جثمان المرحومة سنية لمواراته التراب... لكن ليس مثلما واراها التراب زوجها هذه المرة سيكون الدفن بطريقة شرعية وأمام الجميع... الدفن سيكون بأيدي إخوتها... أشقائها... أخوالها... أعمامها... جميع أفراد عائلتها... هكذا تكلم السيد محمد شقيق الهالكة، كان ومنذ وصوله مرفوقا بجثمان شقيقته يحاول تهدئة الأوضاع... مرة يطالب بالتكبير وأخرى يأمر النسوة بالكف عن الصراخ والعويل... وأثناء الطريق الى المقبرة كان محمد يتحدث الينا بحشرجة واضحة ونبرات يكاد يقطعها البكاء : «... المجرم قد صرح أثناء البحث بأنه خنقها إلى أن أسلمت روحها إلى خالقها ثم وضعها تحت السرير... تركها ليلة كاملة ومن الغد قام بدفنها... دفنها داخل قبر عمودي... تصوروا... إبنها لم يصدقوه عندما قال أن أباه ضرب أمه إلى أن... نامت... قالوا طفلا صغيرا ولا يحسن الكلام»...
هنا قاطعنا السيد محمد بالسؤال : ... لكن هل تتصور أن المشاكل العائلية سبب كاف لإقدام الزوج على قتل زوجته؟
التفت إلينا ثم تنهد وقال: سوف أعلمكم بخبر هام.. لقد تفطنت المرحومة إلى أن زوجها كان يقوم بعمليات الحفر والبحث عن الكنوز الأثرية وقبل الواقعة بأيام نشب بينهما خلاف حاد توجهت على إثره إلى أعوان الأمن لتعلمهم بالاعتداء الذي تعرضت له وفي نفس الوقت أفادتهم بأن زوجها عثر على كنز هام من الآثار (قطع ذهبية) وقام بإخفائها بغرفة نوم والدته تحت الأرض.. أتوقع أن هذا هو السبب الأول الذي جعله يجهز عليها..» ثم سكت للحظات أشعل أثناءها سيجارة ثم واصل حديثه: «رغم كل ما فعلناه معه.. جزاؤنا كان قتله لأختنا.. تصور والدي عندما أراد إهداء قطعة أرض لشقيقتي المرحومة اشترط بأن يسجلها مناصفة بينها وبين زوجها.. كان تفكير والدي واضحا.. يريد رؤية ابنته سعيدة مع زوجها».
لم نتفطن إلى أننا وصلنا إلى مدينة «الموردين».. كنا نتبع رتل السيارات المتوجهة إلى المقبرة.. وبسؤالنا السيد محمد عن سبب دفن المرحومة بـ»الموردين» التابعة لمعتمدية مساكن من ولاية سوسة، أجابنا بأن أفراد العائلة دفنوا بهذه المقبرة نظرا لانحدارهم من هذه الجهة.
* هوامش من موكب الجنازة
* سجلنا حضور كامل فريق برنامج المسامح كريم من قناة حنبعل لتصوير لحظات وصول الجثمان.. التأثر كان شديدا على الزملاء عبد الرزاق الشابي وهالة الذوادي..
* تم تمكين شقيق المرحومة ويدعى «ح» من حضور موكب جنازة شقيقته نظرا لأنه كان يقضي عقوبة بالسجن بعد أن زلت به قدمه نحو المحظور.. «ح» كان متأثرا لفقدان شقيقته لكنه كان في نفس الوقت يخفف عن عائلته ويواسيهم.. لقطة جميلة وتسجل لفائدة المسؤول الأول عن السجن المدني بالمسعدين ـ سوسة.
* والد الهالكة السيد بلقاسم كان بين الفينة والفينة يشعل سيجارة.. وعندما طلب منه قريبه السيد بوبكر الكف عن التدخين أجابه بأنه كلما يتذكر فلذة كبده يحاول النسيان بتدخين السجائر.
* السيدة سامية شقيقة الهالكة أفادتنا بأن المرحومة سنية كانت تعد «العولة» بمنزل والدتهم هنا في القلعة الصغرى.. العولة مثل الكسكسي والفلفل المرحي والتوابل لتقوم ببيعها هناك بـ»الدليوات» حتى توفر لها ولأبنائها بعض النقود لنفقتهم الخاصة نظرا لكون زوجها كان يتركها وأطفالها دون طعام.
* موكب الجنازة حضره أكثر من ألف شخص جاؤوا لتوديع المرحومة سنية.
* أفراد عائلة الهالكة وأهالي القلعة الصغرى أصروا على الاتصال بنا لتوجيه شكرهم الخالص لصحف «دار الأنوار» على تغطيتها المتميزة والحرفية لهذه القضية التي شغلت الشارع التونسي والرأي العام بصفة عامة على امتداد الفترة الماضية.
* متابعة أنيس الكناني
* صور: هشام الضويوي