القصّة الكاملة لفاجعة صفاقس البحرية: 1200 دولار ثمن تذكرة الموت !

Al Chourouk - 2009-03-21
Lu 631 fois

* الشروق ـ مكتب صفاقس:
كنا قد انفردنا في عدد يوم أمس الجمعة بنشر تفاصيل فاجعة بحرية ذهب ضحيتها 17 حارقا افريقيا، وأشرنا الى ان وحدات الجيش الوطني تمكنت من انقاذ حياة 33 حارقا، وقد كشفت التحريات الأولية ان 50 من المهاجرين الأفارقة هم في عداد المفقودين في مياهنا الاقليمية.
الكارثة وصفت بالأكثر مأساوية و»الشروق» ومن خلال شهادات بعض الناجين تقصت كل مراحل «رحلة الموت» بداية من التحضير للرحلة.. وصولا الى أقسام المستشفى الجامعي بصفاقس.. مرورا بلحظات الفاجعة في عمق البحر.
* 100 حارق في زورق مطاطي
تقول المعطيات التي توفرت لـ»الشروق» ان عدد الحارقين بلغ الـ100 حارق وحارقة أغلبهم من دول جنوب الصحراء والساحل الافريقي، وقد اجتمع القادمون من التشاد والنيجر ونيجيريا والصومال وغيرها من الجنسيات الافريقية بصحراء احدى الدول الشقيقة وتؤكد شهادات هؤلاء أنهم دخلوا القطر العربي المجاور بجوازات سفر ووثائق رسمية وقانونية.
في الصحراء الممتدة كان اللقاء منذ بداية الشهر، وكان الاتفاق ان يغادروا اليابسة في الاسبوع الاول منه، الا انه ولأسباب مرتبطة بالوسيط العربي، تأجل موعد الهجرة الى يوم 11 مارس الجاري، في ذاك اليوم تسلم المهرب 1200 دولار من كل حارق وحارقة، وفي المقابل أخذ وثائقهم الرسمية وربما أعدمها كليا.
من الصحراء كانت بداية الرحلة في اتجاه منطقة ساحلية لا يعرف اسمها اي من الحارقين والحارقات، وصلوا المكان في وقت متأخر من الليل أين وجدوا الزورق البحري المطاطي من نوع «زودياك» في انتظارهم.. اليه تسارعوا وكل واحد منهم أو منهن يحمل في كيسه المتواضع بعض المأكولات والقليل من الماء.
داخل «الزودياك» الذي لا يحمل على ظهره في العادة اكثر من 20 نفرا على أقصى تقدير، تكدس الحارقون والحارقات وأعينهم تتطلع الى السماء المظلمة وخيالهم يحلق في ايطاليا وفرنسا عاصمة النور و العمل مما جعلهم يتناسون للحظات الازدحام وضيق المكان والخصومات.
* رحلة الموت
اشتغل المحرك، وبدأت الرحلة، وبعد مسيرة ساعات بدأ الجوع والعطش يتحركان في بطون الحالمين والحالمات بحياة جديدة تنسيهم الفقر والتشرد والجوع، وقد اجتهد الجميع في تقسيم المؤونة وادخارها حتى تستكمل معهم الرحلة التي قد تستغرق ربما 3 أو 4 أيام او حتى كامل الاسبوع حسب حالة الطقس ووضعية المركب المطاطي.
في اليوم الثالث او الرابع، وبوصولهم للمياه الدولية عصفت الرياح وارتفعت الأمواج وتراقص زورقهم المطاطي الصغير، وبدأ الغثيان والتقيؤ.. واشتدت الرياح وبدأ تساقط الحارقين والحارقات من المركب كتساقط أوراق الشجر في خريف رياحه هوجاء.
مات من مات.. وجاع من جاع.. وانتهت المؤونة والماء.. وبدأت الخصومات بين المتكدسين على ظهر الزورق المطاطي، فدفع بالبعض من ظهر السفينة، واستل البعض الآخر السكاكين والأجسام الحادة والصلبة للدفاع عن نفسه او لافتكاك ما تبقى من الماء والاكل حتى نفدت المؤونة بالكامل واضطر البعض الى شرب ماء البحر وأكل الملابس وجلد الأحذية...
الجميع أدرك ان الموت قادم بين أمواج البحر، وشاءت الصدف ان يمر مركب بحري أجنبي، لكن طاقمه البشري حملق فيهم ورغم التوسلات وصيحات الفزع لم يتدخل لإنقاذهم حتى دفعت بهم الأمواج مركبهم الذي خلا محركه من البنزين الى مياهنا الاقليمية.
* تدخلات انسانية نبيلة
وشاءت الصدف ان يمر مساء أول أمس الخميس مركب بحري تونسي بالمكان فلاحظ الموقف فاتصل بقوات الجيش الوطني الذين هبوا على عين المكان بسرعة فائقة فانتشلوا جثث الموتى وأنقذوا ما أمكن انقاذه من الأحياء حتى ان حصيلة الناجين بلغت 33 مواطنا افريقيا استقبلهم المستشفى الجامعي بصفاقس واهتموا بحالتهم الصحية بمجهودات جبارة وتدخلات انسانية راقية تحسب للجيش الوطني أولا ولأعوان الحرس البحري وللحماية المدنية والاسعاف وطواقم الاطار الطبي وشبه الطبي بمستشفيات صفاقس.
ليلة أول أمس قضى المهاجرون وقتهم بالمستشفى ومراكز الايواء، وقد تم فجر أمس ترحيل 30 منهم الى الدولة المجاورة التي غادروا منها اليابسة، في حين احتفظ المستشفى الجامعي بصفاقس وتحديدا قسم الانعاش بـ3 أنفار وصفت حالتهم بالخطيرة، ومن غير المستبعد ان يتم ترحيلهم في اليومين المقبلين بعد تماثلهم للشفاء.
الجيش الوطني يواصل بحثه في عمق البحر، لكن الامل بدا ضعيفا لإنقاذ حياة المهاجرين باعتبار طول المدة ونفاد المؤونة والماء، لذلك لا تستبعد مصادرنا وحسب شهادة الحارقين والحارقات الذين ثمنوا مجهودات رجال الجيش والحماية والاسعاف ان يبلغ عدد الغرقى الـ67 غارقا في هذه الرحلة غير الشرعية التي وصفت بالاكثر مأساوية في تاريخ رحلات الافارقة تجاه أوروبا. * راشد شعور



Mars 2009
LMMJVSD
01
02 03 04 05 06 07 08
09 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31
<< >>