في العوامرية (القيروان): فاجعة «شغل» أودت بحياة رب الأسرة...
Al Chourouk - 2009-03-21Lu 689 fois
توقفت أشغال بناء خزان المياه التي انطلقت منذ أكثر من سنة بمنطقة العوامرية بعد أن أعدم العمال الجرأة على مواصلة العمل في غياب صديقهم... وهناك في المنزل ترك خليل وخولة ونور الهدى لعبهم وارتموا في أحضان والدتهم يلتمسون حنانها بينما كانت الأخيرة تخفي دموعها في قلبها الحزين عن أبنائها الذين فقدوا لتوهم عطف الأب إلى الأبد.
بكاء وحزن وعزاء وجثمان وسط احدى غرف المنزل ينتظر الدفن بعد رحلة طويلة، هذه المشاهد المأساوية اجتمعت في سلة واحدة في منزل الهالك محمد بن حسين إدريس الذي لفظ أنفاسه أول الأمس الخميس داخل غرفة الانعاش بالمستشفى اثر تعرضه لحادث شغل ظهر الاربعاء 18 مارس تسبب له في أضرار بدنية جسيمة ونزيف حاد لم يمهله لحظات إضافية من الحياة ليقبل أولاده ويودع أهله.
وتفيد تفاصيل الحادث التي استقتها «الشروق» من شهود عيان أن الهالك من مواليد 18 أفريل 1966 كان ظهر الاربعاء (الساعة الواحدة والنصف ظهرا) بصدد متابعة عمله بحضيرة بناء خزان مائي ضخم لفائدة شركة توزيع المياه بالقيروان. وقد كان مكلفا بنقل الاسمنت المسلح بواسطة «سطل» عبر جسر خشبية واصلة بين جانبي خندق عميق يفصل جدار الخزان عن الأرض بنحو 4 أمتار وعمق نحو عشرة أمتار.
وذكر الشاب سمير عوينات (28 سنة) أن الهالك كان يباشر عمله بصفة عادية لكن قدمه زلت فجأة عندما داس على حافة الجسر معتمدا على خشبة مثبتة بالتوازي مع الجسر وهو يحمل سطلا من الاسمنت المسلح مما أدى إلى سقوطه أسفل الخندق بعد أن فقد توازنه مضيفا أنه سمع صراخ زميله في العمل قبل أن يشاهد سقوطه.
وذكر أنه هرع رفقة عدد من العمال إلى الهالك عبر مدخل يؤدي إلى الأسفل فوجدوا صديقهم مضرجا بدمائه فتولى أحدهم الاتصال بالحماية المدنية طلبا للمساعدة في انتشاله ظنا منهم أن رفيقهم قد فارق الحياة لكنه حرك يديه طالبا النجدة، فاضطر رفاقه إلى الاسراع بنقله على متن شاحنة خفيفة أملا في إنقاذ حياته بعد أن شعروا بتأخر النجدة قبل أن تعترضهم سيارة الاسعاف التابعة للحماية المدنية وتستلم المتضرر لتتولى نقله إلى وحدة الجراحة بمستشفى الأغالبة بالقيروان على جناح السرعة.
* إسعاف ولكن..
وحال تلقيهم المتضرر، تولى الإطار الطبي تقديم الاسعافات الأولية وإجراء الفحوصات اللازمة قبل إحالة المتضرر إلى العناية المركزة بغرفة الانعاش في انتظار عرضه على جهاز السكانار بمستشفى ابن الجزار، إلا أن المنية حضرت في ساعة متأخرة من ليلة الاربعاء وفارق «محمد» الحياة بغرفة الانعاش بعد 12 ساعة من إقامته بالمستشفى رغم المجهودات الكبيرة لانقاذ حياته والتي كانت ستتواصل مع مطلع شمس يوم الخميس لكن الموت كان أسبق.
وقد تولى أعوان الحرس الوطني التحقيق في الواقعة بالتحول إلى مكان الحادث كما تم عرض جثة الهالك على ذمة الطبيب الشرعي لتحديد أسباب الوفاة.
وسعيا منها إلى تقصي مزيد من التفاصيل عن الواقعة ورصد أهوال الفاجعة على أهالي الفقيد، «الشروق» انتقلت إلى مكان الحادثة وزارت العائلة ووقفت على تفاصيل محزنة.
* فاجعة تمزق السكون
تقع منطقة العوامرية الفلاحية الرابضة في سكون على مسافة 14 كيلومترا عن وسط مدينة القيروان في اتجاه الغرب، وفي طريق ذهابنا اختزلنا المسافة عبر الطريق الفرعية وسط حقول الحبوب التي كانت تمد سيقانها وتصعر خدها زهوا مبشرة بموسم فلاحي وفير ومزارع قطعت سكونها سيارات وشاحنات تقل عددا من الأفراد وهي تسابقنا علمنا بعد ذلك بأنهم متجهون إلى منزل العزاء.
وعندما اقتربنا وجدنا بعض الرجال مجتمعين تحت شجرة زيتون وقد تحلقوا حول شيخ عجوز علمنا من انحناء المعزين عليه لتقبيله أنه حسين الدهماني والد الهالك.
كان يغرز عصاه في الأرض يضع عليها ثقل كلتا يديه وهو يدير بصره بين الحاضرين. انتهزنا فرصة حديثه إلى المعزين وهو يشرح لهم تفاصيل الحادث حسبما سمعها عن شهود عيان والتي ذكرناها فتوجهنا إليه بالحديث فكان يجيبنا إجابات قصيرة يقطعها بالاحتساب تارة والزفرات والصمت تارة أخرى.
وذكر الشيخ حسين (76 عاما) أنه كان جالسا تحت شجرة الزيتون اثر الغداء يسرح ناظريه في السماء عندما جاءه خبر سقوط ابنه في الخندق.
وذكر ان زوجة ابنه حملت أبناءها وحماتها العجوز وهرعت إلى المستشفى لزيارة زوجها بينما مكث هو في المنزل إلى أن جاءه الخبر الذي تلقاه بين نار الحزن وبرد الإيمان. «حسبنا اللّه ونعم الوكيل» هي أمانة عادت إلى صاحبها، بهذه الكلمات كان الشيخ حسين يسبق معزيه.
أما الشاب علي شقيق الهالك فذكر انه كان يباشر عمله عندما أخبره أحد أقاربه بأن شقيقه في المستشفى دون ان يقدم له أية تفاصيل عندها اتصل بشقيقه لطفي ليتأكد من صحة الخبر فأكد له ان حالة الشقيق خطيرة وبعد ساعات عاود الاتصال به فسمع بكاء شقيقه لطفي عبر الهاتف قبل ان يعلمه بالوفاة.
الشاب لطفي (تزوج منذ شهرين ويقيم مع والديه) قال بدوره إنه كان بصدد العمل بمدينة القيروان عندما اتصلت به زوجته وأعلمته بخبر تعرض شقيقه محمد للحادث فترك ما بين يديه من عمل وتوجه مسرعا فوجد أخاه داخل غرفة الانعاش. وذكر انه تمكن من زيارته آخر الليل للاطمئنان على حاله لكن شقيقه الذي تمكن من رؤيته ومناداته باسمه لم تكتب له حياة اضافية فتوقف على لفظ اسم شقيقه لطفي كأنه يوصيه بأسرته التي تركها تتجرع الحزن واليتم.
* «إنه كبدي»
الوالدة زهرة (من مواليد 1938) كانت تبكي منذ سماعها خبر دخول ابنها المستشفى ومع وصول جثمانه انخرطت في بكاء وعويل شديدين أفقداها وعيها فراحت تسلخ وجهها وعندما لامها أحد الحاضرين كانت تقول «كبدتي احترقت.. انه ابني.. انه كبدي.. كيف لا أبكي؟».
ظهر الأربعاء كان خالد (14 سنة) يلعب الكرة بينما كانت خولة (8 سنوات) وشقيقتها نورالهدى (10 سنوات) تمرحان في باحة المنزل. لكن كل ذلك وقف عندما تلقت والدتهم لطيفة خبر تعرض والدهم لحادث الشغل عندها انقلب كل شيء رأسا على عقب.
فقد أهمل خالد كرته استجابة لنداء والدته التي نادته بصوت أشج لم يميز كلماته الا بعد ان كررت له طلبها بأن يذهب الى مكان الاشغال للتأكد من صحة الخبر الذي ورد إليهم.
وقال خالد انه ذهب مسرعا مسافة ميل لم يتوقف الا لسؤال بعض العمال الذين وجدهم متوقفين عن العمل على غير عادتهم وعندما سأل عن حقيقة ما تعرض له والده وصلته إجابتان إحداهما بالنفي خشي صاحبها ان تصعق قلب الطفل الصغير لكن آخر أكد له صحة الخبر.
عاد خالد يسابق دموعه لكن عند وصوله لم يجد والدته بل وجد جده وشقيقتيه فضمهما اليه ولاذ بحضن جده الى أن جاءه خبر يتمه.
مساء الخميس تم احضار جثمان الوالد محمد الى منزله في انتظار إكرامه بالدفن الذي تقرر ان يكون يوم أمس بعد صلاة الجمعة بمسجد الجهة.
وقبل مغادرتنا علمنا ان المقاول المسؤول على الحضيرة اتصل بأهل الهالك وطمأنهم بخصوص حقوق الوالد الذي أمضى في العمل نحو عام وثلاثة أشهر، عسى ان يخفف ذلك من وطأة حرمان الاطفال من عطف والدهم وليتمكنوا من مواصلة حياتهم ودراستهم لإهداء نجاحهم الى روح والدهم الذي أفنى حياته من اجل اسعادهم.
* متابعة ناجح الزغدودي