مقتل عريس لقيروان ورفاقه الخمسة في كندار: «الشروق» تتابع المأساة في منزلي العروسيــن بالقيروان وأولاد عامر
Al Chourouk - 2009-03-29Lu 773 fois
* تونس ـ القيروان ـ مكتب الساحل (الشروق)
كانت غرفة مراد (في القيروان) مغلقة... كان من المفترض فتحها ليلة السبت (البارحة) حتى يدخلها مع عروسه سهام لكن الفاجعة حتمت عديد التغييرات.
فقد تم فتح الغرفة عشية الجمعة وتم ادخال مراد وتمديده فوق فراش الزوجية فيما حل النواح والبكاء والنحيب محل الزغاريد والغناء... كان مراد إذاك جسدا بلا روح.
في المقابل اقتنعت سهام في أولاد عامر (معتمدية كندار) باستحالة دخولها محل الزوجية في القيروان فمزقت فستان الفرح.
هكذا تتالت الاحداث بعد مقتل العريس مراد و5 من رفاقه في حادث مرور كان جدّ ليلة الخميس قرب المنطقة الصناعية بكندار (ولاية سوسة). وقد ارتأت الشروق التي نشرت خبر الفاجعة في عددها الصادر أمس ان تتابع تلك الاحداث في القيروان وأولاد عامر ومنزل المحطة عبر مراسلينا ناجح الزغدودي ومعز دبش.
* في القيروان: جثة عريس على فراش الزوجية
كان كل شيء هنا في القيروان يوحي ببهجة الاحتفال استعدادا لموعد أسعد الليالي، ليلة الزفاف، وفي مكان آخر (أولاد عامر) كانت العروس تجلس على عرشها تنتظر قدوم عريسها على صهوة الأحلام..
فجأة تبعثرت الأوراق وتسمرت البسمة على الشفاه وغصت الحناجر بالزغاريد وفاضت بالدمع المآقي وانقلبت مظاهر الفرح الى مأساة لا ترى منها الا عويلا ونحيبا وانطفأت في الغرفة كل الشموع بعد ان شاع خبر الوفاة واختلطت حناء العروس الثكلى وتبرجها بعبراتها...
أما عندما نقلت الجثامين الثلاثة الى مثواها الأخير الواحدة تلو الأخرى في ما يشبه السلسلة فقد احتار المشيعون خلف اي جنازة يمشون فكان أولهم عند باب المقبرة وآخرهم في الحي المنكوب.
يقع منزل العريس مراد بن الوافي ابن السيد معاوي بأحد أحياء مدينة القيروان (بحي دار الأمان) لم يكن يصعب على أحد معرفة المنزل الذي أصبح محور حديث الصغير والكبير بعد ان تحصل معظمهم على دعوات الى حضور ليلة الزفاف لكنهم سمعوا خبر وفاته الذي انتشر كالنار في الهشيم.
وصلنا بعد غروب شمس الجمعة بعد تشييع الجنازة، بحثنا عن والد «العريس» السيد معاوي (61 سنة)، فوجدناه جالسا داخل احدى غرف المنزل يفترش حشية بسطت فوق سجاد بال يجلس فوقها بهدوء عميق مطأطئ الرأس وكان على كل من رغب في تقديم العزاء اليه ان يطرق الباب ويستأذن بالدخول كأنه لم يشأ ان يجلس قبالة المنزل ويتجمع حوله المعزون فعلمنا ان له نظرته الخاصة للموت والحياة.
استقبلنا ولاذ بالصمت في انتظار كلمة البداية، قطعنا سكونه واخترنا أن تكون تفاصيل اللوحة التراجيدية منذ ليلة الواقعة، ومن البداية.
زائر الليل
حوالي الساعة العاشرة والنصف من الليلة الفاصلة بين الخميس والجمعة كان مراد (العريس الهالك) يجلس بجوار والده معاوي قبل ان يأتي زوج أخت العروس التي كانت تنتظر قدومه ليصطحبه الى حفل ليلة الحنة مع عروسه حسب التقاليد المتبعة في الجهة.
وذكر السيد معاوي (61 سنة) ان ابنه مراد أعرب له عن عدم رغبته في الذهاب نظرا الى تأخر الوقت وبعد المسافة والى شعوره بعدم الارتياح لكن الوالد رأى ضرورة حضور ابنه لما في ذلك من احترام وتبجيل للعروس وأهلها فطلب من ابنه ان يذهب ويجلس لساعة ثم يعود.
ولعل ما جعل مراد يتردد في الذهاب هو ان قريب عروسه اصطحب معه 3 أشخاص آخرين وبما ان العادة تحكم بضرورة مرافقة العريس بعض أصدقائه اختار اثنين منهما لكنه شعر بأن الأمر غير مريح بعد ان أصبح عدد ركاب السيارة 7 أنفار (بزيادة شخصين عن حمولتها القانونية)... تسارعت الأحداث ورغب حمزة شقيق العريس في الذهاب لكنه تراجع ثم رغب آخران وتراجعا ايضا وفي الأخير اختار مراد صديقين له من جيرانه وهما شابان متزوجان (صابر 28 سنة وعلي 25 سنة) وانطلقت السيارة في طريقها الى منطقة أولاد عامر من معتمدية كندار.
هواجس الطريق
بعد نحو نصف ساعة تناول الوالد معاوي الهاتف واتصل بزوج اخت العروس وسأله عن مكانه بالتحديد فأخبره بأنهم على بعد نصف كيلومتر عن مدينة كندار. وبعد دقائق عاود الوالد الاتصال بنفس الشخص لكن جرس الهاتف ظل يرن دون ان يجيب صاحبه، عندها اتصل على رقم أحد مرافقيه فوجده خارج خدمة الشبكة عندها اتصل السيد معاوي بوالد العروس يسأله ان كان ابنه وصل ام لا فوجده يسأله بدوره عنه ويستفسر عن سبب تأخره في القدوم.
اشتعلت الهواجس برأس الوالد معاوي فكان يذرع فناء المنزل جيئة وذهابا ويقول في ذلك «اضطربت وساورتني الظنون وتداخلت الخواطر بين عقلي وقلبي ولم تكن الأمور واضحة لكن في الأخير قلت انه رجل ويمكنه ان يتصرف». أما عن شقيقه حمزة فركب دراجة نارية صحبة صديقه لكن الدراجة تعطبت في الطريق مما اضطرهم الى العودة دون خبر يقين مطمئن.
ظل السيد معاوي يتبادل الاتصالات مع والد العروس فيسأل هذا ذاك قبل ان يقرر والد العروس ارسال أحد اقربائه على متن شاحنة ليستطلع الطريق بعد مرور أكثر من ساعة لكن الأخير عاد بخبر الفاجعة التي حلت بعد ان وجد سيارة العريس ورفاقه قد تعرضت الى حادث مرور مروع راح ضحيته ستة أشخاص سابعهم في حالة خطيرة.
ويقول الوالد معاوي: «اتصلت بي العروس ودموعها تسبق كلامها والحروف تعثرت في حلقها لتخبرني ان ابني مراد لقي حتفه في حادث مرور رفقة آخرين» يصمت قليلا بثبات ويضيف: «عندها هاج الجميع وماج وتبعثر نظام المنزل وتصاعد العويل مع تصاعد البخور وعلت صيحات شقيقاته وقريباته بينما خرجت والدته فاطمة وقد فقدت صوابها وهي تجري وسط الطريق تنادي «مراد ولدي جاء».
زفة جثة
غرفة مراد التي تم اعدادها وتأثيثها في منزل والديه لتكون القفص الذهبي له ولزوجته ظلت مغلقة ولم يجرؤ احد على دخولها. عاد مراد ودخل غرفته لكن هذه المرة جثة باردة غاب عنها نشاطها وحيويتها. فقد تم ادخال جثمان العريس بعد وفاته كأنما يزف ليلة عرسه وتم وضع الجثمان ممددا على السرير فيما كانت والدته وشقيقاته ينتحبن ويلطمن وجوههن ويتمرغن بالأرض.
وتقول ليلى شقيقة الهالك ان والدتها فاطمة (59 سنة) كانت تسأل بمرارة في اكثر من مناسبة وكل من يعترضها «من حلق له ومن ألبسه كسوته ومن رافقه الى الحمام» مؤكدة انها اصبحت مشوشة النفس والعقل ولا ترغب في محادثة أحد. وتضيف ليلى قائلة «انها كارثة انها مأساة ثلاثة منازل عزاء في صف واحد».
ويقول شقيقها محمد (37 سنة) في ذات الصدد ان المنزل انقلب من الفرح الى الحزن دفعة واحدة وأن شقيقه مراد رقص يوم وفاته مؤكدا ان شقيقه مراد اطلعه صبيحة يوم وفاته على شعور غريب انتابه منذ ثلاثة أيام وأنه كان يشعر بالحزن وانقباض النفس.
وأكد محمد (أب لثلاثة أطفال) ان تصرفات شقيقه تغيّرت في الآونة الأخيرة فلم يعد ذلك الشاب المرح صاحب النكتة والمتمسك بموقفه بل اصبح طيعا منقادا لا يحتج ولا يرفض اي شيء يطلب منه. وأضاف: «سهرنا مع بعض ليلة الاربعاء وطلبت منه ان يرتاح ولا يجهد نفسه ومن الغد ذهب الى المقهى قبل ان يتصل بعدد من اصدقائه للاتفاق مع احدهم على نقله بسيارته ليلة زفافه».
ولم يستطع السيد معاوي ان يمنع نفسه من التدخل ليقاطع ابناءه لكنه جمع العبارات في قوله «كان يوما ربيعيا زاهيا مشرقا وسرعان ما تحوّل الى سحب ورعود وقبل ان يتوجه على متن السيارة لبس أحسن ما لديه».
وأضاف: كنت ارغب في تزويجه في أسرع وقت وأطيب الظروف لكن جميع الأوراق تبعثرت».
كان مع ذلك يؤكد ضرورة الصبر والرضا بالقضاء والقدر ويدعو لابنه بالرحمة والغفران وهو يقول «كل انسان له صعوبات في حياته وعليه ان يواجهها بالصبر. ادعو له بالخير والرحمة وأسامحه والله يرحمه».
اما شقيقه لسعد (23 سنة)، الذي يشتغل حلاقا فأكد لنا انه هو من كان سيتولى الحلاقة لشقيقه ويقول «كنت سأرافقه الى الحمام لأحلق له وألبسه الكسوة وكنت سأرافقه في جلب العروس».. يصمت قليلا ثم يضيف: انه شقيقي وصديقي وقد شعرت بتغيّر حاله منذ أيام قليلة».
العريس مراد الغائب الحاضر بحسن سيرته وبخلقه المميز بين عائلته كان الابن المدلل رغم انه ليس اصغر اشقائه. وعندما رغب في الزواج بذلت العائلة لأجله الغالي والنفيس. فهو لم يبخل عنها يوما في اعالتها ومساعدة اشقائه في زواج من تزوّج ومساعدة والده المريض في إعالة افراد الاسرة. «الجميع يحبه لحسن خلقه وكرمه» هكذا قال لطفي احد اصدقائه، ويوم جنازته حضر المئات وغصت الطرقات بالجيران والأصدقاء.
وقبل مغادرتنا علمنا ان احدى شقيقات العريس الغائب كانت ستتزوّج بدورها لكن بعد وفاة أعزّ اشقائها فإن ذلك سيتأجل.
* متابعة: ناجح الزغدودي
* قائمة الضحايا
ـ العريس مراد معاوي (30 سنة) أصيل القيروان ويشتغل نجارا.
ـ عماد المناعي (27 سنة) أصيل القيروان.
ـ علي المناعي أصيل القيروان.
ـ جلال بن حكيم (سائق السيارة) أصيل «منزل المحطة» ويقيم بليبيا.
ـ عمار خليفة (26 سنة) أصيل منزل المحطة (زوج أخت العروس).
ـ علي منصور (55 سنة) أصيل منزل المحطة (من أقارب العروس).
ـ أما يسري بالهادي حميدة (25 سنة) فهو أصيل منزل المحطة وهو يقيم بالمستشفى في حالة صحية وصفت بالحرجة جدا.
في أولاد عامر: العروس وأختها فقدتا زوجيهما في ليلة واحدة
كانت «متصدرة» في أبهى زينتها وحلتها بعد أن ذهبت إلى الحلاقة عسى أن تكون في كامل أناقتها وجمالها... كيف لا وهي في ليلة «حنتها» حيث حضر كل الأحباب والأقارب ورقص الأهالي والأصدقاء على وقع الطبلة والغناء ... في انتظار قدوم العريس لـ»يرشق» على عروسته الأموال عملا بالعادات والتقاليد التي تداول على إحيائها أهالي منطقة «أولاد عامر» من معتمدية كندار في أعراسهم وأفراحهم
... لكن العريس تأخر... تأخر كثيرا... و إلى الأبد .. حيث جاء الخبر المشؤوم فجأة لقد توفي العريس ومن معه وهو في طريقه إلى حبيبة القلب وفتاة أحلامه التي كانت تنتظره على أحر من الجمر لتكتمل سعادتها ولتأخذ مع عريسها بعض الصور في ليلة عمرها... وهكذا تحول العرس إلى مأتم وتحول المدعوون من مهنئين إلى معزين... ولا تسأل عن حال العروس ولا عن حال أختها التي توفي زوجها أيضا ولا عن حال بقية الأهالي والأقارب...
«الشروق» زارت عائلة العروس المنكوبة «سهام بوبكر» 20 سنة وعندما كنّا في الطريق نحو منزل والدها بأولاد عامر معتمدية كندار أين أقامت العروس حفلة حنتها توقفنا في منطقة منزل المحطة بعد ان علمنا أن أهالي العروس (والدها وأمها) قد تنقلا إلى منزل ابنتهما «نجوى» بقرية «منزل المحطة» حيث فقدت هي أيضا زوجها في هذا الحادث المريع.
الأب: «فقدت صهرين في ليلة واحدة»
يقول الأب «خميس بوبكر» الذي وجدناه أمام منزل ابنته «نجوى» لا يدري هل يقدم العزاء أم يتقبله «لقد حلت بنا طامة كبرى بعد ان ترملت ابنتي «نجوى» 22 سنة وابنتي «سهام» (العروس) في ليلة واحدة مشؤومة كانت من المفروض أن تكون ليلة الفرح والسعادة» (ثم يضيف بعد تنهيدة عميقة وهو يستجمع قواه ليواصل الحديث مسترجعا تفاصيل الحادثة) «أمس الجمعة كانت حنة ابنتي سهام حيث ذهبت إلى الحلاقة واستعدت كابهى ما يكون في ليلة ليست ككل الليالي. عادت من الحلاقة بـ»سيدي بوعلي» الى منزلي بمنطقة «أولاد عامر» حوالي الساعة 8 مساء وقد حضرت الفرقة الموسيقية وحضر الأهالي والأقارب ليشاركونا الفرح والرقص على وقع الموسيقى والغناء.. «ياللا مدي ايدك للحناء».. ومدت ابنتي يدها للحناء في انتظار قدوم العريس «مراد» من القيروان ليحضر الحفل كي «يرشق» على زوجته النقود عملا بتقاليدنا وعاداتنا داخل القرية. إلا انه هاتفني حوالي الساعة 8 ليلا ليعلمني انه لم يجد سيارة تقله إلى الحفل فبادرت بالاتصال بـ»عمار» زوج ابنتي نجوى (توفي في الحادث) ليوفر وسيلة نقل عسى أن ينقذ الموقف وينتقل للقيروان ليقل العريس فبادر المرحوم عمار بالاتصال بصديقه جلال (توفي أيضا بالحادث) نظرا لأنه يملك سيارة وهو اصيل منطقة منزل المحطة أيضا ويقيم بالقطر الليبي. فسارعا المرحوم عمار والمرحوم جلال بالتنقل إلى القيروان لاستقدام العريس وقد بقيت على اتصال بهما في حين تواصل الحفل دون أن يخطر ببالنا ما كان يخططه القدر.. لكن تأخر ركبهم كثيرا فعاودت الاتصال بـ»عمار» حوالي الساعة 10.45 فأعلمني انه على وشك الوصول إلى مدينة كندار وكانت هذه آخر مكالمة بيننا حيث تواصل تأخرهم إلى 11 ليلا فعاودت الاتصال بهم من جديد لكن لا أحد يرد على الهاتف فدب القلق بين الجميع خاصة وان الحفل اوشك على الانتهاء في الأثناء جاءتني مكالمة لا اذكر من من بالتحديد ربما من أخ العريس حيث أعلمني أن سيارة العريس قد تعطبت بكندار فبادرت بالاتصال بصديقي «فرج» الذي يملك سيارة وقد كان نائما وألححت عليه بالذهاب إلى كندار لاستجلاء الأمر ومعرفة سبب تأخر سيارة العريس».
الفاجعة
وهنا يتدخل «فرج» موضحا «لقد سارعت بالتنقل إلى كندار صحبة «قيس» لكن حين وصلنا إلى كندار وجدنا سيارات الحماية المدنية والإسعاف وفرق حرس المرور والحرس الوطني فتوقفنا للتثبت في الأمر وكانت الفاجعة الكبرى حين وجدنا 6 جثث ملقاة على حافة الطريق وقد كان من بينهم جثة العريس وجثة «عمار» وعوض أن أعود بالعريس ليشارك العروس ما تبقى من الحفل... عدت لأخبر الأهالي بأن «الجميع» قد ماتوا...؟؟؟»
وهنا يتدخل الأب من جديد «لقد نزل علينا الخبر كالفاجعة او الطامة الكبرى فتحول الحفل إلى عويل ونواح واختلط الغناء بالصراخ والزغاريد بالنحيب وندبت الخدود ومزقت العروس ثوبها...» (وهنا يغرق الأب في البكاء).
الابنتان ترملتا في ليلة واحدة
أما الأم «آمنة الصلعاني» كانت مأساتها كالأب متضاعفة حيث ترملت ابنتها «نجوى» وابنتها العروس «سهام» في ليلة واحدة وقد حاولت رغم مأساتها العظيمة أن تتحدث إلينا لتقول بلوعة وألم عميق «الليلة ليلة دخلة ابنتي أو هكذا برمجنا منذ سنوات... ابنتي كانت تنوي الذهاب إلى الحلاقة بمدينة القيروان ليأتيها عريسها فيأخذها إلى منزلنا بأولاد عامر ثم يعودان ليكملا مراسم الحفل بالقيروان... لكن المسكينة لم تهنأ بليلة العمر وقد قصف الموت فرحتها وفرحتنا جميعا وهي الآن (أي العروس) في حالة يرثى لها حيث نقلناها للمستشفى عدة مرات وهي في وضعية نفسية تدمي القلوب... ثم تضيف بدموع منهمرة «اه يالوعة قلبي يا «سهام».. ويالوعة قلبي يا «نجوى».
«نجوى» لم يكن حالها أفضل من حال أختها «سهام» فقد ترملت وهي لم تتجاوز سن 22 توفي زوجها عمار (عامل يومي) في الحادث تاركا لها ابنين... حاولت التحدث إلينا رغم المأساة قائلة « لقد خرج زوجي ليلة الواقعة لاستقدام العريس ولم يدر أن القدر كان يتربص به في الطريق... كان آخر اتصال لي به قبل عودته من مدينة القيروان.. هاتفني ليطمئنني انه على وشك الوصول الى المنزل وهو على مشارف مدينة كندار... لكن القدر كان له رأي آخر حيث اختطفه الموت عند وصوله لكندار وتوفي على عين المكان تاركا ابنة لم تتجاوز 10 أشهر وابنا في سن «4».. إلى هنا تتوقف «نجوى» عن الحديث لتغرق في العويل والنحيب المتواصل بينما الأم تحاول مواساتها وهي لا تدري أتواسي نفسها او تواسي ابنتها «نجوى» أم ابنتها «سهام»...
العروس لم تفهم بعد ما حصل؟
سهام... العروس تعذر علينا لقاؤها نظرا لحالتها النفسية السيئة للغاية... سهام كانت تشتغل بإحدى مصانع الجهة بسيدي بوعلي قبل أن تتوقف عن العمل قبل بضعة أيام من زواجها على أمل أن تنتقل للسكن مع زوجها بمدينة القيروان حيث كانت تحلم ببناء عش زوجية سعيد في ظل رجل أحبته وأحبها ووعدها بالاستقرار والهناء والفرح الدائم... لكن غول الطريق قصف كل أحلامها وبتر فرحتها وانتهى العرس قبل أن يبدأ وخيم على القرية الحزن والصمت الذي يمزقه من حين لآخر عويل وصياح النسوة... ولم يبق من اثر العرس غير وفود المعزين الذين اختلطت عليهم أسماء وعناوين منازل الضحايا... ففي طريق عودتنا استوقفتنا سيارة كانت تحمل بعض المعزين سألنا السائق «أين منزل الميت؟» فأجابه احد سكان القرية... إجابة تلخص حجم المأساة التي عصفت بجميع أهالي «منزل المحطة» و»أولاد عامر» «عن أي منزل من الأموات تسال؟؟؟».
* نقل: معز دبّش