فاجعة في المكنين: أرادت إنقاذ شقيقها فماتت معه

Al Chourouk - 2009-06-11
Lu 595 fois

* مكتب الساحل ـ «الشروق»:
لم تقو كريمة (34 سنة) على إنقاذ شقيقها حسام (22 سنة) ولا على إنقاذ نفسها فبعد 5 أيام من وفاته لحقت به واجتمعت به أول أمس (الثلاثاء) عندما تمت مواراتها التراب الى جانبه.
هي قصة حب بين شقيقين كان للنار حضور قوي فيها: نار أحرقت جسديهما وتسببت في وفاتهما ونار أخرى تحرق قلوب أقاربهما وجميع من عرفهما واطلع على رفعة أخلاقهما.
ما جمعناه من معلومات أولية يفيد أن حريقا شب الأسبوع الماضي في مستودع كائن بمدينة المكنين فأصيب صاحبه (حسام) بحروق عجلت بوفاته كما أصيبت شقيقته (كريمة) أثناء محاولتها إنقاذه فلحقت به بعد أيام فيما نجت والدتهما وجار لهما بعد ان أصيبا بحروق بسيطة وقد سعينا الى البحث عن المزيد من التفاصيل فتحولنا الى مقر العائلة المنكوبة الكائن بحومة تونس في المكنين (ولاية المنستير) وهناك شاهدنا وقع المصيبة على ملامح السيد سعيد (63 سنة) مثله مثل جميع أفراد العائلة. كيف لا!؟ وقد فقد اثنين من أبنائه في أقل من اسبوع واحد.
فما إن أتم فرق مأتم حسام حتى دخل في مأتم ثان وهو الذي يعيش محمّلا بإعاقات عديدة أقعدته عن العمل.
تأخر الاسعاف
السيد سعيد عجز في بعض الأحيان وهو يتحدث إلينا عن الكلام... بدا متوتّرا... ساخطا... منفعلا وهو الذي لم يكفّ عن ذكر الله وحمده وشكره... كان تارة يلوم أعوان الحماية المدنية الذين تأخروا في الحضور وطورا يعبّر عن رضاه بما كتبه الله راجيا منه ان يتغمد ابنيه بواسع رحمته... وقد أوضح لنا بنبرات حزينة مشحونة بالألم والحسرة أن ابنته كريمة (34 سنة) وابنه حسام كانا ليلة الحادثة وتحديدا على الساعة التاسعة ليلا يشاهدان التلفاز... اغرورقت عيناه بالدموع وعجز لسانه عن مواصلة الكلام وهنا تدخّل ابنه حمدي 28 سنة ليضيف: «كانت الساعة تشير الى التاسعة والنصف ليلا حين جدّت الحادثة... شخصيا تركت حسام مستلقيا في غرفة الجلوس وبجانبه كريمة... كانا يتبادلان الحديث ويضحكان.. كانا سعيدين... خرجت لكن سرعان ما جاءني الخبر المشؤوم... لم أصدق في البداية لكن تجمهر الأجوار والمارة أمام المنزل والمستودع المجاور وتعالي الصياح جعلني أتقبل الأمر بمرارة كبرى... سعى الجميع الى إنقاذ حسام وكريمة واستنجدنا في بداية الأمر بالحماية المدنية ومرّ الوقت ولا حياة لمن تنادي فالتجأنا  في النهاية الى ذوي القلوب الرحيمة من أصحاب السيارات الخاصة ونقلنا المصابين منهم والدتي وجارنا نجيب الى المستشفى المحلي بالمكنين... ولو حضر أعوان الحماية المدنية بالسرعة المطلوبة لربما كانت تكتب لأختي حياة جديدة باعتبار ان إصاباتها كانت تبدو أقل خطورة من أخي الذي أخرجناه من المستودع في حالة سيئة جدا... لكن هل ينفع اللوم الآن؟. بالطبع لا..
الأسباب مجهولة
السيد عبد الجليل شقيق الضحيتين كان يجلس الى جانبنا ورغم وطأة المصيبة فقد بدا أكثر تماسكا من بقية أفراد العائلة. أما عن الأسباب التي أدت الى وقوع هذه الكارثة واندلاع النيران في المستودع المحاذي للمنزل الذي كان يستغله حسام لطلاء الخشب فقد أوضح ان الروايات عديدة في حين ان السبب الحقيقي ظل مجهولا ولا يعلمه الا شقيقه.. فهناك من أرجع السبب الى اشعال سيجارة وهناك من قال بأن تماسا كهربائيا حصل في آلة صقل الخشب وهو الذي مثل الشرارة الأولى لاندلاع الحريق خاصة أن حسام كان يعمد بنفسه الى خلط المواد المستعملة للطلاء بمادة سريعة الالتهاب (الديليون) ومهما كان السبب فإن شقيقه عجز عن اخماد النيران وبالتالي وقع ضحيتها... وعلى وقع صياحه هبّت شقيقته كريمة لنجدته ولكن ألسنة اللهب أتت عليها هي أيضا وطالت انحاء عديدة من جسمها مما حدا بها الى الخروج الى الشارع... ورغم تدخل الأجوار فإن اصاباتها كانت بليغة ولم تقو على التحمّل وفارقت الحياة رغم اقامتها لأيام بمستشفى بن عروس.
 عبد الجليل أفادنا أىضا بأن والدته تعرضت الى الإصابة ببعض الحروق التي لم تكن خطيرة وغادرت المستشفى بعد ان تلقت العلاج.
... وتيتّم الأبناء
غير بعيد عنّا جلس الشاب نجيب الغضاب جار عائلة العطاوي وقد كانت يداه مضمدتين بما يؤكد تعرضه الى حروق طفيفة وبسؤالنا عما أصابه أفادنا بأنه سمع كريمة وهي تصيح وتستغيث في الشارع ولما رأته طلبت منه ان يغطيها بـ «خيشة» باب الدار ودون وعي منه وفي محاولة لإنقاذها نزع «الخيشة» ولفّها بها لكن النيران طالت يديه والحقته بقائمة المصابين..
وعن كريمة أىضا تحدث زوجها منير (42 سنة) قائلا: «كنا ننعم بحياة سعيدة مستقرة يزينها وجود ابنائنا سماهر (11 سنة) ومهند (ثلاث سنوات) ومهيب (سنة وثلاثة أشهر) وكنا نتردد باستمرار على منزل عائلتها بحكم أننا نقطن بنفس الحي... لم يكن يخطر ببالي أبدا ان تتعرض الى الخطر وهي في منزل والديها... لكن هذا ما حصل وهو ما يعكس مدى حبها لشقيقها الذي هبّت لنجدته.. ودفعت حياتها ثمنا لهذا الحب مقابل ذلك تيتم ابنائي وهم في عمر الزهور... المأساة كبيرة وفقدان عزيزين من العائلة امر صعب وما علينا الا ان نتقبل ما كتبه الله لنا. * المهدي خليفة



Juin 2009
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06 07
08 09 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30
<< >>