«الشروق» في منازل الضحايا الخمس بسيدي مطير: أمّهات الضحايـــــا يروين تفاصيل اللحظات الأخيرة

Al Chourouk - 2009-06-12
Lu 697 fois

* «الشروق» ـ مكتب الساحل (متابعة معز دبش):
شهدت قرية «سيدي مطير» من معتمدية بوفيشة (ولاية سوسة) مساء أول أمس فاجعة كبرى اثر الحادث المروع الذي نشرت «الشروق» تفاصيله الأولية في عددها أمس. وقد حصل الحادث اثر اصطدام سيارة نقل ريفي كانت تقل 8 ركاب بشاحنة ثقيلة مما أدى إلى مقتل 5 ركاب وإصابة 5 آخرين ينحدرون جميعا من نفس القرية هم جلهم من عاملات المصانع في المنطقة الصناعية ببوفيشة.
الخبر نزل نزول الصاعقة على القرية الفلاحية الهادئة «سيدي مطير» وقد ارتأت «الشروق» أن تنتقل إلى منازل الضحايا بدءا بمنزل المرحومة «إيناس غرس اللّه» 18 سنة مرورا بمنزل المرحومة «نجلاء بالرجب الحجري» 28 سنة ومنزل ابنة عمها المرحومة «رجاء الحجري» 20 سنة توفيت لاحقا بمستشفى سهلول بينما لا تزال اختها «آمال» 23 سنة ترقد في غرفة الانعاش في حالة صحية وصفت بالحرجة جدا وصولا كذلك إلى منزل المرحوم «محمد بومعيزة» 79 سنة توفي صحبة صهره (زوج ابنته) المرحوم «محمد جواد». كما عرجنا على منزل السيدة «منيرة المهذبي» احدى المصابات في الحادث والتي منحها القدر عمرا جديدا بعد أن نجت بأعجوبة لتروي لنا تفاصيل الفاجعة كما حضرتها في البداية نشير إلى أنه لم يكن من السهل علينا الوصول إلى منازل الضحايا الخمس نظرا لأن هول الفاجعة كان مؤثرا جدا على سكان القرية حيث اختلطت عليهم أسماء وعناوين الضحايا والمصابين وكثرت الأقاويل خاصة أمام تضارب الأخبار الواردة من مستشفيات سوسة والنفيضة. كما أن منازل الضحايا كانت جلها داخل مناطق فلاحية نائية حيث يصعب المرور من هذه المسالك الفلاحية. لكن مع ذلك فقد تنقلت «الشروق» كما عودتكم دوما إلى منازل كل الضحايا ضمن هذه المتابعة الصحفية.
في منزل المرحومة إيناس
أول المنازل التي زرناها هو منزل المرحومة إيناس 18 سنة التي كانت تشتغل في أحد مصانع الأحذية بجهة بوفيشة حيث وجدنا حشدا كبيرا من المعزين أمام المنزل وقد بدا الوجوم وعلامات التأثر على كل الوجوه الحاضرة. تحدثنا مع أم المرحومة السيدة رشيدة المهذبي فجاءنا صوتها متقطعا وقد بدا على وجهها أثر «الندوب» من هول الفاجعة. تقول أم إيناس والحزن يعتصر أنفاسها «ابنتي كانت بجانبي صباحا.. لقد استيقظت فجرا على الساعة السادسة وقدمت لها فطور الصباح بيدي.. ولم أكن أدري أني كنت أطعمها لآخر مرة.. خاصة وإني لم ألاحظ أي تغيير في تصرفاتها عدا أنها كانت صامتة لكني لم أنتبه لهذا وظننت أن الأمر عادي ولم يخطر ببالي أي شيء.. هي دوما كعادتها شعلة من النشاط والحيوية تشتغل منذ 3 سنوات بمصنع الجلود والأحذية ببوفيشة وقد تعودت أن تستيقظ باكرا كل صباح لتحمل معها غداءها وتستقل سيارة النقل الريفي صحبة زميلاتها.. لكن هذا الصباح خرجت مسرعة ولم تودعني.. إلى أن جاءني نبأ وفاتها بعد ساعة من خروجها تقريبا»... إلى هذا تغرق الأم في البكاء والنحيب وهي تجوب المنزل جيئة وذهابا.. إيناس توفيت في ريعان الشباب تاركة أخوين، والدها محمد بن عمر غرس اللّه تعذر علينا لقاؤه حيث هرع إلى المستشفى لجلب جثمان ابنته.
في منزل عائلة «الحجري»
عائلة الحجري هي عائلة موسعة شهدت بدورها مأساة كبرى وقفنا على تفاصيلها خلال زيارتنا لمنزل السيد رجب الحجري الذي فقد ابنته «نجلاء» 28 سنة في هذا الحادث ومنزل أخيه السيد المولدي الحجري الذي كانت مأساته مضاعفة حيث فقد ابنته رجاء بينما لا تزال أختها آمال ترقد في غرفة الانعاش في حالة حرجة.
وجدنا حشودا كبيرة من المعزين والأقارب بينما كان يسمع صياح النسوة وعويلهن يتعالى في أرجاء المكان. تحدثنا أولا مع أخ المرحومة نجلاء «وليد» 23 سنة وكذلك مع أمها السيدة «مطيرة».. وليد وجدناه في مدخل الباب وهو في حالة ذهول تام حاولنا التحدث إليه فأجابنا بصوت متقطع «نحن 5 أخوات 4 أولاد وأخت واحدة افتقدناها اليوم.. المرحومة كانت تعمل في أحد المصانع كسائر بنات القرية وقد تعودت أن تستقل يوميا سيارة النقل الريفي صحبة بنات عمي.. إلا أن الخبر نزل علينا اليوم نزول الصاعقة حيث لم يكن أحد يتصور أن القدر كان يتربص بها هذا الصباح وسط الطريق...» قطع وليد قوله وقام ليحضر لنا صورة لأخته مع مجموعة من زميلاتها أمدنا بها قائلا: «انظر إلى هذه الصورة.. كم كانت نجلاء متقدة حيوية ونشاط.. كم كانت مقبلة على الحياة...».
حالة وليد النفسية لم تختلف عن حالة أمه السيدة مطيرة التي وجدناها في احدى الغرف وهي تنتحب فتحدثنا إليها لتروي لنا تفاصيل اللحظات الأخيرة لوداع ابنتها. قالت: «لقد استيقظت ابنتي كعادتها باكرة وأعدت بنفسها القهوة إلا أنه على خلاف عادتها نسيت أن تحملها معها فقد انشغلت بمداعبة أخيها الصغير بعدها ناولته «مصروفه».. وهي منشرحة.. ثم غادرتنا إلى الأبد»..
مأساة مضاعفة
السيد المولدي الحجري عم نجلاء فقد أيضا ابنته رجاء في حين أصيبت أختها آمال بجروح بليغة.. منزله كان ملاصقا لمنزل أخيه «رجب».
حين زرناه لم نجد أحدا من الأقارب.. فقد هرعوا جميعهم إلى مستشفى سهلول بسوسة لمتابعة حالة آمال 23 سنة ولجلب جثمان رجاء 20 سنة. وقد وجدنا بعض المعزين من أصدقاء وزميلات الفتاتين فتحدثنا إلى إحداهن التي كانت غارقة في النحيب والبكاء.. فأجابت وهي تولول «نحن من عائلة واحدة لقد كنا نشتغل معا ونأكل معا ولا نصعد النقل الريفي إلا بعد أن نجتمع جميعا.. لكني اليوم تغيبت ولم أذهب للعمل فحلّت الفاجعة»..
هكذا شاء القدر إذن أن يأخذ رجاء.. في انتظار حكمه النهائي على بقية الامال.. وأقصد «آمال» أختها.. التي ترقد في مستشفى سهلول حاليا.
في منزل عائلة «بومعيزة»
تركنا منزل عائلة الحجري لننتقل إلى منزل المرحوم «محمد بومعيزة» 79 الذي توفي هو أيضا في هذا الحادث صحبة صهره 50 سنة (زوج ابنته) محمد جواد. تحدثنا إلى زوجته المسنة «فاطمة» التي تحدثت إلينا تقريبا بنفس الألم الذي يعتصر قلوب كل أقرباء وأصدقاء الضحايا الخمس. تقول السيدة فاطمة «المرحوم كان نزيل مستشفى سهلول لمدة 32 يوما اثر عملية جراحية قبل أن يغادره منذ أيام وفي صبيحة الواقعة كان ينوي الذهاب إلى طبيبه المباشر لحالته الصحية بمدينة سوسة لذلك استقل سيارة النقل الريفي بعد أن دعا لاصطحابه صهره المرحوم «محمد جواد» الذي كان يكن له محبة خاصة وقد شيعتهما بنفسي إلى المحطة ولم أكن أدري أني سأشيعهما إلى الأبد»..
الشيخ المسن قصفه غول الطريق في هذا الحادث تاركا 6 أطفال وأرملة عجوز أما الصهر فقد رحل معه تاركا 4 أطفال وأرملة أيضا وحسرة كبرى لدى الجميع.
احدى الناجيات تروي التفاصيل
قبل أن نغادر منازل الضحايا عرجنا على منزل السيدة «منيرة المهذبي» 30 سنة متزوجة وأم لطفلة كانت من بين ركاب سيارة النقل الريفي وقد نجت من الموت بأعجوبة حيث خرجت سليمة إلا من بعض الخدوش الخفيفة قادنا إليها زوجها «شكري» أين وجدناها في احدى الغرف وقد تحدثت إلينا رغم هول الصدمة «لقد استقلنا كعادتنا جميعا سيارة النقل الريفي من محطة سيدي مطير على الساعة السادسة والنصف صباحا باتجاه المنطقة الصناعية ببوفيشة. وقد كنت أجلس حذو السائق في حين جلس بقية البنات وسط السيارة أما المرحومين محمد بومعيزة ومحمد جواد فقد جلسا في آخر السيارة. وقد انشغلت قليلا بهاتفي الجوال ولم انتبه لشيء إلا حين وقع الاصطدام من الخلف مع الشاحنة الثقيلة التي يبدو أنها فقدت توازنها على اثر عطب حصل في احدى العجلات الأمامية حيث استدارت فجأة واصطدمت بنا من الخلف لتقذفني بعيدا أين سقطت في حجر امرأة كانت ترعى أغنامها بالقرب من موقع الحادثة (هذه المرأة أصيبت أيضا ببعض الجروح الخفيفة).. ولم أع بعد ذلك ما حصل».
هذه إذن تفاصيل الواقعة الأليمة في قرية سيدي مطير التي خيم عليها الحزن واختلطت على المعزين عناوين وأسماء الضحايا والمصابين ولم نجد من دليل يقودنا إلى منازل الضحايا إلا صدى العويل والصياح المنبعث من تلال الجبل.. قبل أن يتطوع أحد المواطنين مشكورا لمرافقتنا. بقي أن نشير إلى أن الطريق الوطنية رقم واحد وعلى مستوى النقطة الكيلومترية 72 بالتحديد صار يطرح أكثر من سؤال خاصة وانه قد حصد العديد من الأرواح.. حيث لم يمض على مقتل أحد الشبان في نفس المكان سوى بضع أيام؟؟؟



Juin 2009
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06 07
08 09 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30
<< >>