في أولاد الشامخ ـ المهدية: عبوة ناسفة من بقايا الاستعمار تذهب بحياة حافظ
Al Chourouk - 2009-06-17Lu 790 fois
* أولاد الشامخ ـ الشروق ـ متابعة ناجح الزغدودي
«كان عيني وهو الوحيد الذي يشعر بمعاناتي» يقول شقيقه قبل أن تضيف الوالدة الثكلى هو ذخر لوالديه «سميته حافظ العائلة حافظ إخوته... هو أعز ما لدي» ليؤكد الوالد «هو نوارة الدار لقد اختطفته الأقدار وهو لا يقدر عندي بثمن»، تلك عبارات الرثاء التي كانت تخترق آذان المعزين تماما كما اخترقت «الشظية» رأس الشاب حافظ تاركة آثارا بليغة لا تمحي من قلوب الأهل ومن جدار المنزل الذي اخترقته احدى الشظايا بينما تساءل شقيقه عن سر هذا الجسم المتفجر قائلا ماذا يفعل في وطننا الآمن.
الشاب حافظ بن صالح من مواليد 26 جانفي 1982 لفظ أنفاسه اثر انفجار جسم متفجر مساء الجمعة أثناء محاولته قطعه بمنشار آلي في حين أصيب شاب من أقاربه بجروح على مستوى رأسه.
وبحسب المعطيات التي استقيناها فإن الهالك وهو تاجر خردة استعان مساء الجمعة بمنشار آلي في محاولة منه لقطع جسم معدني لم يستطع التعرف عليه فرغب في شقه عسى يظفر بما في داخله من معدن يستفيد منه ببيعه، إلا أن ذلك الجسم وبسبب الاحتكاك انفجر فجأة محدثا دويا كبيرا كما أصابت شظاياه رأس الشاب متسببة في مقتله على عين المكان قبل أن تحدث ثقبا في الجدار وتلقي بشظية أخرى أصابت قريبه الشاب على مستوى رأسه ما سبب له جروحا طفيفة.
وروى شهود أنهم سمعوا صوت انفجار يدوي في أرجاء القرية قبل أن يشاهدوا دخانا أسود يصدر من منزل الهالك.
ونظرا لقوة الانفجار الذي فزع له من في القرية من متساكنين وجهات أمنية ومحلية فقد تجمع عدد كبير منهم حول مكان الحادث قبل أن يتم عرض الهالك على ذمة الطبيب الشرعي فيما تعهدت احدى الفرق الأمنية بالتحقيق في الواقعة.
وعلمنا أن ممثل النيابة العمومية وفريق التحقيق حضروا على عين المكان واستفادوا من عملية محاكاة للواقعة بحسب وصف شهود عيان وأبرزهم مرافق الهالك وشقيقته.
«الشروق» كانت نشرت خبر الواقعة في عددها الصادر أمس الثلاثاء وسعيا منها لتقصي أوفى التفاصيل عن الواقعة، انتقلت الى منزل الهالك في أولاد الشامخ (المهدية) فاستقت جميع المعطيات وأحزان الفاجعة من أقارب الهالك ومن شهود عيان في المتابعة التالية.
في شوارع المدينة بحثنا عن منزل الهالك، هذا المنزل لم تخطئه أية اشارة أصبع من كبير أو صغير، كيف لا وهو منذ ساعات قليلة مركز اهتمام القرية، أحد الأطفال الذين وجدناهم يتهافتون على لعب تقليدية وسط الشارع بسبب غياب نواد تؤويهم تولى ايصالنا الى المنزل.
من بعيد يبدو لك الحي المقصود كئيبا وقد برز سكانه الى الخارج مطلين على بيت العزاء كأن منازلهم مفتوحة بعضها على بعض، وأمام أكثر من منزل انتشرت الكراسي تحمل أثقال الهموم وأحزان المعزين الذين انقسموا الى مجموعات أمام عدد من المنازل، مجموعة الكهول وأخرى للشبان وثالثة للنسوة ورابعة للأطفال.
جرت مع من يجري
الوالد يونس بن صالح بن سالم (63 عاما)، روى لنا فاجعة تلك الليلة وهو ينزع القبعة عن بياض شعر رأسه كأنما يريد التقاط نسمات المساء وأكد أنه كان يسهر لدى أحد أقاربه عندما سمع دوي انفجار يهز أركان المنزل وكامل القرية وأردف يقول «عندما سمعت الانفجار ظننت أنه انفجار عجلة شاحنة أو قارورة غاز». عندها أسرع الخطى الى مكان الانفجار مع سائر المستطلعين وهو خالي الذهن من أن يكون أحد أبنائه أصيب بسوء لكن...
كان المشهد أصعب من أن يتقبله الوالد يونس لكنه كان متماسكا في سرد الأحداث وروى كيف أنه رأى ابنه حافظ ممددا في حجر شقيقته زينب وقد فارق الحياة.. يشيح بوجهه قليلا عنا ليخفي عينين تهمان بالبكاء بعد أن مر أمامه شريط الأحداث قبل أن يضيف «لقد توفي مباشرة اثر الانفجار بسبب اصابة بليغة في رأسه الذي نزف كثيرا».
أما الوالدة شاذلية (57 عاما) فكانت هي الأخرى في منزل ابنها محمد (المقيم بفرنسا) كانت تؤنس وحدة «كنتها» وتلاعب أحفادها قبل أن تسمع الانفجار. شيء خفي دفعها الى الخروج لاستجلاء الأمر وقالت انهاجرت مع من كان يجري من الناس وهي تتساءل عن سر هذا الانفجار الذي قطع سكون القرية عند انتصاف ليلها، وقالت إنها لم تكد تصل المكان حتى شعرت بثقل في ركبتيها كأنها شعرت عند تلك اللحظة أن مكروها أصاب أهلها لكنها لم تعرف تحديدا قبل أن تجد ابنها حافظ في حضن شقيقته.
لحظة الانفجار ولحظة وفاة حافظ شهدها شخصان الأول كان برفقة الهالك أثناء عملية محاولة قطع الجسم المتفجر وهو وليد السويسي (18 عاما) والثاني هي شقيقة الهالك زينب.
خردة الموت
يروي وليد وهو ابن عم الهالك انه كان برفقته عندما استخرج الجسم من بين قطع الخردة التي جمعها قبل أشهر ورغب في قطعها بالمنشار الآلى رغبة في التعرف الى طبيعة هذا الجسم وطمعا في أن يكون من معدن النحاس لينتفع من ثمنه.
«كان ثقيلا وشبيها بمولد الطاقة لمحرك السيارة ويشبه قارورة الماء البلاستيكية» هكذا وصفها الشاب مؤكدا أن الفضول دفع ابن عمه (الهالك) إلى معالجة ذلك الجسم دون أن يعرف انه قابل للانفجار أو أنه قنبلة كما وصفتها بعض الجهات الرسمية. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف من ليلة الجمعة عندما شرع الهالك في شق الجسم بالمنشار الآلي لكن أمام صلابته تركه في مناسبة أولى قبل أن يصر على اكتشافه وقال وليد إن الهالك سأله إن كان يعرف طبيعة هذا الجسم مؤكدا انه لم يكن هو ولا الفقيد يعلمان أنه قنبلة».
شرع الهالك في معالجة الجسم ثانية فتصاعد الدخان منه بسبب الاحتكاك قبل أن... يحدث الانفجار كان صوتا مدويا كما كان الدخان أبيض كثيفا سبب لي الاختناق ولم أعد استطيع الكلام أو التنفس ولم يفق وليد إلا والهالك في حضن شقيقته.
يوم لا ينسى
ولقد كان الجزء الأكبر من الفاجعة من نصيب الشقيقة زينب (19 عاما) تتدخل زينب لتروي ما تبقى من تفاصيل الفاجعة فتقول «طلب مني أن أخلد للنوم وبينما أنا أغالب الناس سمعت صوتا مدويا فقفزت من الفراش وقد ظننت أن قارورة الغاز قد انفجرت كان صوتا مدويا»، بهذه الجملة بدأت الشقيقة في رواية تفاصيل لحظة ما بين الحياة والموت، وتقول إنها خرجت من الغرفة فوجدت شقيقها ملقى على الأرض.
اقتربت من شقيقها ووضعت رأسه في حجرها وأمسكت وجهه... وأدنته من وجهها وهي تنظر إليه وتسأله ما باله... لحظات من ألم الذكرى وعبرات اختلطت بعبارتها ثم تستأنف الرواية. «وجاء الناس لكن كل من كان يراه يتقهقر ويرفض ان يمسكه أحد الى أن جاءت والدتي وجاء أحد جيراننا وحمله الى المستشفى» لكنه كان وقتها قد لفظ آخر نفس بين ناظريها الدامعتين بهذه الذكرى التي لن تمحي من ذاكرتها وختمت زينب قبل أن تندس بين جاراتها ربما لتطلق العنان لدموع مختنقة.
أما الشقيق جهاد (23 سنة) الذي يشكو من مرض مزمن فأكد أن الهالك كان صديقه وأكثر من شقيق مؤكدا قوله «كان عيني وهو الوحيد الذي يشعر بمعاناتي» مؤكدا انه كان لا يبخل عليه بالمال والمساعدة.
ولئن كان مساء الجمعة يوما فارقا في القرية بسبب ذلك الانفجار الذي تسبب في فقدان خيرة شباب قرية أولاد الشامخ، فإن يوم السبت لن ينسى من ذاكرة أهل الفقيد فهذا اليوم هو الذي شيعت فيه جنازة حافظ كأنها لأحد المشاهير حضرها عدد كبير من الأصدقاء والجيران.
وعن ذلك يقول ابن عمه وليد إن وفاته كانت صدمة قوية للجميع، انه محبوب من الجميع بحسن خلقه وطيب معشره ومساعدته للناس وحبه للعمل.
مسؤولية من؟
واصل العمل ليل نهار وكان حلمه أن يلتحق بشقيقه في فرنسا وكان يعد العدة لذلك لكن هذه المرة بصفة شرعية لكن القدر شاء أن تلاحقه تلك البلاد الأوروبية لكن هذه المرة كان ضحية أسلحتها الفتاكة النائمة بين اطمئنان الشبان الذين تمتعوا بنعمة الاستقلال.
«إذا كانت قنبلة ماذا تفعل في بلادي الآمنة ومن يدفع ثمن روح شقيقي» تساؤل مرّ حملنا الشقيق رضا أمانة نقله، مؤكدا أن شقيقه حصل على تلك القنبلة ضمن قطع خردة قبل ثمانية أشهر وقبل أن يسافر إلى فرنسا، وأكد أنه لم يكن يعرف أنها قنبلة مطالبا الجهات الأجنبية التي يثبت تسببها في مقتل شقيقه بتحمل مسؤولياتها بازالة ما تبقى من تلك المواد وتعويض الضحايا وأولهم شقيقه.
وأضاف وليد الذي نجا من موت محقق ان ذلك الشيء كان مجهولا ولم يعرفه هو ولا الهالك متسائلا عن مصدر تلك القنبلة التي قد تكون من مخلفات الحقبة الاستعمارية قائلا إن تلك الحروب ومخلفاتها من الأسلحة الفتاكة لا تزال تخلف الضحايا وقال نأمل أن تتواصل جهود ازالة مثل هذه الأجسام الخطرة إن كانت موجودة في بلادنا الآمنة..