ينتظر الموت بسبب أخطاء طبية: الأسبرين سدت شرايينه والصدمة الكهربائيـة دمرت عضلة قلبه
Al Chourouk - 2009-07-02Lu 529 fois
* تونس ـ «الشروق»:
يعد لطفي بن عثمان أيامه المتبقية من حياته، يعلم أن الاعمار بيد اللّه ولكن قلبه الذي دمرته الأخطاء الطبية يوشك على التوقف ما لم يتدخل أصحاب القلوب الرحيمة.
هي قصة موغلة في الدراما انطلقت أحداثها في حي الزهور (غرب العاصمة) قبل 8 أشهر فقط وتزداد قتامة يوما بعد يوم على أمل أن تكون نهايتها على شاكلة الأفلام الهندية أو المصرية.
«هيكل عظمي منتفخ الأطراف» هكذا يبدو لطفي لمن ينظر إليه اليوم.. فهذا الكهل البالغ من العمر 49 سنة فقد منذ أكتوبر الماضي أكثر من 60 كيلوغراما من وزنه وأضحى جسدا منزوع الشحم واللحم تحمله بصعوبة كبيرة ساقان منتفختان متورمتان.
«ذو القلب الرحيم».. «ذو القلب العليل»: بين النعتين قطيعة عنوانها أكتوبر 2008 .
كان لطفي حتى ذلك التاريخ تاجرا ناجحا ورب أسرة مثاليا (زوجة و3 أبناء) وذا جسد رياضي فارع الطول ومكتنز اللحم (125 كيلوغراما).
والأهم من هذا أنه اشتهر محليا وجهويا ووطنيا بالمواظبة على التبرع بالدم والدليل أن بطاقته (بطاقة التبرع) تظهر تبرعه في 133 مناسبة خلال 31 سنة متواصلة. أي بمعدل 4 مرات في السنة الواحدة. ولهذا حاز العديد من الشهائد التقديرية كانت أهمها تلك التي تسلمها من وزير الصحة السيد منذر الزنايدي. لكن من المفارقات أن يتحول لطفي إلى خصم وزارة الصحة للأسباب التالية:
توقف قلبه
أحس ذو القلب الرحيم بألم في صدره خلال أكتوبر الماضي فقصد أحد مستشفيات العاصمة حيث اكتشف الأطباء علة في القلب سببها عجز 3 شرايين عن تمرير الدم بسهولة (شبه منسدة وفق ما نقله لطفي عن أولئك الأطباء).
ولهذا تقرر اخضاعه إلى عملية قسطرة استعجالية لإزالة الانسداد من بعض تلك الشرايين ثم إلى عملية ثانية (بعد يومين) لمعالجة البقية.
وقد بشره الأطباء بنجاح العمليتين وسمحوا له بعد أسبوع بمغادرة المستشفى لكن آلاما وصفها بالحادة جدّا عاودته بعد يومين (في منزله) فتم الاسراع به إلى المستشفى نفسه حيث اتضح للأطباء المشرفين أن الشرايين الثلاثة انسدت تماما فكان لا بدّ من عملية قسطلة أخرى لكن قلب لطفي توقف في الأثناء عن النبض.
«لا أجد تفسيرا واحدا لتوقف قلبي» قالها لطفي بصعوبة كبيرة في النطق والتنفس وأضاف أن الجراح بدا مضطربا ومنزعجا قبل أن يتفرغ لهذه العملية.
المهم أن توقف القلب أزعج طاقم العملية واضطره إلى استعمال الصدمة الكهربائية وهي طريقة عادية يلجأ إليها الأطباء لانعاش القلب المتوقف عن النبض لكن يبدو أن المصائب تحالفت على لطفي.
مصيبة الأسبرين
«أنزّه الجراح ومساعديه عن الأضرار بي عمدا» بدأ لطفي بهذا التقديم ليشير إلى أن الأطباء (وفق ما ذكروه له) أفرطوا في استعمال الصدمات الكهربائية فنتج عن ذلك تضرر عضلة القلب اليسرى وتوقفها نهائيا ودون رجعة عن النشاط.
أيقن لطفي إذاك بوجود خطإ طبي في هذه العملية فخامرته الشكوك حول العمليتين الأولتين إذ كيف يمكن لعملية قسطرة بسيطة أن تتسبب في انسداد الشرايين تماما.
ولهذا تأبط ملفه الطبي وتوجه منهوك القوى إلى مستشفى فطومة بورقيبة في المنستير حيث صدمه الأطباء بالحقيقة:
فعملية القسطرة لم تعد تصنف اليوم ضمن العمليات الخطيرة بل تكاد تكون عادية. وعادة ما يلجأ فيها الأطباء ـ من باب الوقاية ـ إلى بعض الأدوية للحيلولة دون تخثر الدم.
لهذا تم تمكين لطفي ـ قبل العملية الجراحية الأولى من قرص واحد من دواء «بلافيكس» (Plavix) ونصف قرص من الأسبرين لكن الاشكال كان في حساسية لطفي المفرطة تجاه الأسبرين فكانت النتيجة عكسية تماما (حسب التقرير الطبي).
«لماذا لم يختبروا حساسيتي تجاه الأسبرين قبل أن أتناوله؟.. هل كانت سرعة العملية وراء هذا التسرّع؟» يبدو لطفي في طريقة تساؤله كمن أنهى لتوه ركضه رغم تمدده على كرسيه.
مهدد بالموت
أصبح لطفي ـ بين عشية وضحاها ـ يعيش بنصف قلب وبدأت أعراض علته تتفاقم يوما بعد يوم.
أصيب أولا بفقدان الشهية فراح وزنه يسير نحو الانخفاض حتى بلغ حاليا حوالي 60 كيلوغراما (أقل من نصف وزنه السابق) ولهذا شحب وجهه وزاغت عيناه ولامس جلده عظامه.
ثم تأثرت قدرته على التنفس حتى صار اليوم زفيرا وشهيقا. وبات قلبه (أو نصف قلبه تحديدا) عاجزا عن ضخ الدماء إلى كامل أعضاء جسده فتورمت أطرافه وانتفخت فبات شبه عاجز عن الحركة ثم فقد خلال الأسبوع الجاري حاستي التذوق والشم.
وتبقى المشكلة في مدى قدرة قلب لطفي على التحمل «أعلمني الأطباء خلال نوفمبر الماضي بأن قلبي لن يصمد أكثر من سنة واحدة» لكن هذا لا يعني أن حكم الاعدام مؤجل إلى نوفمبر القادم فلطفي الذي يتابع حالته الصحية يعلم أن قلبه يعمل حاليا بنسبة 30 (من القدرة العادية لدى الانسان السليم) وكل ما يخشاه أن تواصل تلك النسبة سيرها نحو الانخفاض. فقبل أيام توفي شاب (كان يقيم معه في المستشفى) لأن نسبة عمل قلبه انخفضت إلى 20 ومع هذا يبقى أمام لطفي بصيص أمل للنجاة من حكم الموت رغم إيمانه الشديد بأن الأعمار بيد اللّه.
في قائمة الانتظار
ادعى لطفي على وزارة الصحة العمومية وأرفق دعواه بالشهادات والتقارير والأدلة (القضية الآن تحت أنظار المحكمة الإدارية) لكن التعويض (على فرضية اقتناع المحكمة) لن يشفي قلبه ولا غليله لأن الحل الوحيد يكمن في زراعة قلب سليم مكان العليل.
لطفي الآن ضمن قائمة الانتظار ولا يعلم متى يأتي دوره.
هو ينتظر على الجمر.. العبارة لا تؤدي معناها بأمانة في هذا المجال ولكنه لا يملك حلا آخر.
يستدرك لطفي ليشير إلى حل آخر وهو اجراء عملية الزرع في فرنسا حيث توجد فرصة أفضل من حيث سرعة الحصول على قلب متبرع ولكن هذا الحل ليس في متناوله لارتفاع تكاليفه.
لطفي اليوم يعيش دون مداخيل بعد أن تسبب مرضه في كساد تجارته. وقد تكفل أحبابه وأصحابه بتغطية جانب كبير من مصاريف أسرته ومصاريف دراسة أبنائه الثلاثة (كبيرتهم في الجامعة وصغيرهم في التعليم الأساسي) بالإضافة إلى مصاريف علاجه (350 دينارا شهريا).
لطفي يؤكد أن هذا الحل الأخير مستحيل بالنظر إلى ارتفاع تكاليفه ولكننا لا نظنه مستعصيا على وزارة الصحة التي تصنفه ضمن المتبرعين الأوفياء بالدم ولا على فاعلي الخير ممن رزقهم اللّه بسعة الرزق. لا تنسوا أن دماء لطفي تسري في أجساد عدد كبير من احتاجوا إلى الدم طيلة الثلاثين سنة الماضية.
* عادل العوني