في البريكات (الشبيكة): «الشروق» تتابع قضية وفاة الشاب «جهاد» إثر سقوطه في بئر: النيابة العمومية تأمر بالتحقيق.. 5 موقوفين.. ووالد الضحية يرفض اتّهام أحد

Al Chourouk - 2009-07-05
Lu 632 fois

* القيروان ـ (الشروق):
كانت في ما مضى رمزا للحياة، كذلك تحدث الكبار عن تلك البئر التي تجمع حولها عدد من الأطفال يتطاولون الأعناق حولها. البعض يتكهن بعمقها والبعض الآخر يتساءل عن مصير من تبتلعه في بطنها دون أن تحرك البئر ساكنا، فهي كما هي على حالها تحتفظ بسرها الدفين في قرارها الغائر بينما تداول سكان قرية بريكات (معتمدية الشبيكة) روايات وأحاديث تتهم البئر وتجعلها مصدر الظلام والحزن والموت.. فأضحت أشهر بئر في الجهة.
جهاد بن عزالدين شاب من مواليد 1990 كان ضحية البئر بعد أن لفظ أنفاسه إثر سقوطه في قرارها السحيق السبت الماضي أثناء تواجده رفقة ثلة من أقاربه على جدارها، وقد تم على خلفية وفاته فتح تحقيق في الغرض وإيقاف بعض الشبان.
وحسب المعطيات التي استقتها «الشروق» فإن الشاب التحق بمجموعة شبان من أقاربه وأبناء قريته مساء الواقعة ورغب في تمضية جزء من الليل في التسامر معهم حول محيط البئر، وبعد أقل من ساعة اهتزت القرية المظلمة على صراخ أحد الشبان قبل أن تتعالى أبواق الأحزان.
وقد تولى أحد الأشخاص حينها الاتصال بأعوان الحرس الوطني فأبلغوا النيابة العمومية بالواقعة فأذنت بدورها للحماية المدنية باستخراج الجثة من أعماق البئر وعرضها على الطبيب الشرعي قبل أن يتم فتح تحقيق في الحادثة تم بمقتضاه إيقاف خمسة شبان كانوا رفقة الهالك.
«الشروق» كان لها سبق نشر خبر الواقعة في عددها الصادر بتاريخ 30 جوان وأوردت فيه نبأ وفاة شاب في ربيعه الثاني اثر سقوطه في بئر عميقة بقرية البريكات جنوب القيروان».
ونظرا للغموض الذي يلف القضية، فقد ارتأت «الشروق» مد قرائها بتفاصيل أوفى دقة وأشمل وصفا عن حادثة وفاة جهاد في البئر وما خلفته من فاجعة.. كما يرويها الوالدان.
30 كلم هي المسافة الفاصلة بين القيروان وقرية البريكات من معتمدية الشبيكة. كانت الطريق سهلة المراس لكنها كثيرة التعرجات تخفيها الأشجار عن اليمين واليسار. ومع اقترابنا من القرية بدت لنا الحركة على أشدها مساء ذلك اليوم بسبب رغبة أهالي القرية في انهاء الأعمال قبل حلول الظلام.. نسوة يردن على الحنفيات وأخريات يقطفن ثمارا نضجت من الحقول المبثوثة ورجال يباشرون الحصاد وأطفال تجمعوا هنا وهناك وكونوا حلقات فوق التراب بينما كان بعض الشبان على ناصية الطريق يرمقون العابرين لا يفوتون شاردة أو واردة كأن ذلك هو عملهم وشغلهم الشاغل.
بئر سحيقة... وخطيرة
كانت البئر أول ما اعترض طريقنا إلى منزل الهالك. توقفنا عندها وتفحصنا سورها وعمقها وما حولها. يرتفع جدارها نحو متر ويبلغ قطرها نحو أربعة أمتار أما عمقها فتفاوتت الأقاويل بشأنه بين 50  و63 مترا. وبمجرد وصولنا سرعان ما تجمع عدد من الشبان حولنا بعد أن لمحوا اهتمامنا بهذه البئر.
بحديثنا مع أحد المتساكنين (كهل في العقد السادس) ذكر ان هذه البئر هي التي لقي الشاب جهاد حتفه في بطنها مؤكدا أنها غير محمية منذ تم الاستغناء عن مواردها المائية وتعويضها «بصانداج» لتزويد القرية بماء الشرب. وأوضح أن هذه البئر تحولت إلى مرمى للقمامة وتلقى فيها الجيف والأوساخ مطالبا بإيجاد حل لها قبل أن يؤكد ان الجدار المحيط بالبئر يتجمع فيه الشبان معتبرا انها «مقهى» الجهة والنادي الذي يرتاده الشبان أمام انعدام فضاء ثقافي أو ترفيهي..
أحد الحاضرين دلنا إلى منزل الهالك دون أن يفوت فرصة الاتصال بعمدة القرية الذي حضر لقاءنا مع أسرة الفقيد رغم أنه لم يقدم لنا أية معطيات.
تحامل السيد عزالدين والد جهاد على أحزانه وجسده المنهك في استقبالنا. كان كثير التجاعيد وعلى وجهه تراكمات من الحزن كأنه لم يمسح عن وجهه الدموع منذ يوم الفاجعة داخل المنزل الذي تجمع فيه عدد من الأقارب من النسوة والرجال، خير الوالد أن يفترش الأرض وهو يحدثنا عن تفاصيل الفاجعة واللحظات التي سبقت النبأ العظيم.
يوم الواقعة الوالد عزالدين كان قد حل ضيفا رفقة أفراد عائلته على منزل شقيق زوجته الذي أقام حفل ختان ابنه. سهر الجميع وتعالت أنغام المزامير ورقص البعض واجتمع آخرون على وليمة.
كان الشاب جهاد يشارك عائلته الحفل الذي جاءه خصيصا من سوسة أين يعمل وقد كان قدومه مساء الخميس وذكر الوالد انه كان برفقته خلال السهرة لكن عندما امتلأ المنزل بالنسوة «خجل جهاد» وطلب من والده العودة إلى المنزل فطلب منه التريث قليلا، غير ان جهاد رغب بشدة في المغادرة كأنما يدفع دفعا دون علم مسبق له بمصيره. غادر منزل خاله ويبدو أنه وجد مجموعة من الشبان يتسامرون حول البئر على ضوء القمر وكانوا من أبناء القرية وأقاربه فقرر الجلوس إليهم لمقاسمتهم السهرة.
فاجعة الضيف
كانت تلك المرة الأولى التي يتوجه فيها جهاد إلى ملتقى الشبان حول تلك البئر (أو المقهى كما سماها ذلك الرجل) وأكد الوالد أنه كان يتابع سهرة حفل الختان مع بقية أفراد العائلة عندما سمع صراخا مدويا يهز أركان القرية الهادئة ويخترق صوت الموسيقى.
«صراخ فزع له جميع سكان القرية كبيرهم وصغيرهم رجالا ونساء» يقول الوالد. مؤكدا أنه جرى مع من يجري ليستجلي الأمر وهو خالي الذهن من سبب الصراخ إذ لم يكن لديه أدنى فكرة ولم يعتره أي شعور حول ما حدث.
لكنه عندما وصل إلى مصدر الصراخ الصادر من مكان قرب البئر سمع ذكر اسمه فاستوضح ليتأكد له أن الصوت قال «ابن عزالدين سقط في البئر». وقد كانت الساعة وقتئذ نحو منتصف الليل.
ينقطع عن الحديث قليلا وهو مطأطأ الرأس كأن اجتاحته الذكريات الأليمة.. كان يشعل السيجارة تلو الأخرى بيدين منتفضتين كأن الومضات الاشهارية حول أضراره وضرورة مكافحته لم تصل إليه في تلك المنطقة النائية.
طلبنا منه توصيفا دقيقا لتلك اللحظة لكن الكلمات المتدافعة تعطلت عند حنجرته فأكد أحد أقاربه أنه فقد وعيه بمجرد سماعه الخبر ودخل في غيبوبة طويلة وصدمة ثقيلة. وهنا يستذكر الوالد فيقول: «شعرت أنني أسقط إلى الأرض دون أن أهوي ودارت بي الدنيا حتى لم أعد أعرف رأسي من قدمي» مؤكدا أنه لا يعرف شيئا إلى حدّ هذه اللحظة.
لم تكن الوالدة سعيدة أقل فاجعة عن ابنها. كانت في احدى الغرف عندما دعاها زوجها لتشركنا أحزانها. كانت صامتة مع بعض الصمود وأكدت بدورها أنها كانت ساهرة مع أبنائها وأشقائها وعلمت أنها رأت ابنها جهاد وهو يغادر الحفل. وأكدت ان ابنها جاء مساء الجمعة من مدينة سوسة حيث يعمل. وذكرت انها سمعت تلك الصرخة المفزعة فخرجت بدورها وهي تسعى للتعرف على السبب دون أن يدر بخلدها إصابة فلذة كبدها بأذى.
فاجعة قلبت رأس القرية الهادئة على عقبها وضاعفت من لبس السواد بعد أن أظلمت عيني الوالدة وهي تبحث عن ابنها أسفل ذلك البئر وترجوه أن يعيد إليها ابنها الضيف.
«كان حفلا فتحول إلى مأتم وتحول الفرح إلى بكاء وعزاء» بهذه الكلمات لخصت الوالدة سعيدة مشاعر الحزن التي اعتصرتها حتى جفت دموعها، كيف لا وهو الابن البكر وأحب أبنائها إلى قلبها. وهنا لا بدّ من الإشارة ان هذه المنطقة تعرف بتحمل النسوة لأعباء الأسرة من عمل في الحقول والعناية بشؤون البيت وتربية الأطفال وجلب الماء..
سقط.. أم أسقط؟
البئر والهالك جهاد وحدهما يعلمان حقيقة سقوط الشاب في البئر بين لحظة عين وانتباهتها  وفي غفلة من أي نور عدا نور الحقيقة وذكر الوالد أنه لم تمض نصف ساعة من مغادرة ابنه الحفل حتى دوى الصراخ في أرجاء القرية.
وعن تفاصيل سقوط ابنه في البئر ذكر الوالد عزالدين ان المعطيات التي تتوفر لديه هي تفاصيل سمعها بدوره عن آخرين. وأكد أنه كان هناك 5 شبان رفقة ابنه حول حاشية البئر وتتراوح أعمارهم بين 17 و25 سنة.  وأكد أنه سمع روايات كثيرة عن سبب سقوط ابنه في البئر لكنه لا يعلم السبب الحقيقي.
كانت الوالدة سعيدة تستمع إلى زوجها في صمت كأنها توافقه القول وهو يطرح عديد التساؤلات التي بثت لدينا الحيرة.
في الحقيقة كنا نعتقد بداية ان الأمر يتعلق بسقوط تلقائي لكن تساؤلات الوالد حولت مجرى القضية بالنسبة إلينا على الأقل.
«كيف لشخص أن يسقط في البئر ويعثر على نعليه ملقيان بعيدا كل واحدة في اتجاه؟ لماذا تفرق الشبان عند سقوطه ولم نعلم بالأمر إلا بعد أن عاد كل شاب من الحاضرين إلى منزله..» تساؤلات أطلق لها العنان ومع ذلك فهو لا يعجل باتهام أحد مؤكدا قوله: «حاجة ربي اللّه أعطى وأخذ» مؤكدا ان  التحقيق في الواقعة مستمر وقد تم إيقاف خمسة شبان.
من جهته أشار السيد المنجي عم الهالك إلى الخطر المحدق بوجود البئر على تلك الحال دون تدخل بردمها  أو تغطيتها مؤكدا ان عمقها  يتجاوز الخمسين مترا، وأكد ان نقطة البداية في الأحداث هي البئر. كما أشار من جهة أخرى إلى تأخر التدخل في إخراج الهالك مؤكدا انه لو حضرت في سرعة لكان ربما بالإمكان إدراكه وإنقاذ حياته وقد كان ذلك حوالي الساعة الثانية صباحا. مؤكدا ان أعوان الانقاذ حضروا لكن بعض التجهيزات كانت تنقصهم من ذلك الحبل والجرارة ما اضطر الأهالي إلى التطوع بحبالهم حتى تمكن الأعوان من النزول في البئر المظلمة العميقة.
رحل المعيل
يقيم جهاد ويعمل في مدينة سوسة. وهو لا يزور منزل والديه سوى في المناسبات والأعياد التي يأتي فيها محملا بمستلزمات العائلة من أكل وملبس وغيره. وأكدت الوالدة سعيدة ان ابنها قليلا ما يمكث في القرية ويمضي حياته في العمل مؤكدة أن ابنها البكر هو معيل العائلة..
كما أكد الوالد انه يعول على ابنه جهاد في الانفاق على والدته وأشقائه بسبب ضيق ذات اليد وحالة البطالة التي يعيشها.
«كان كالضيف. يعمل ويعود بعد مدة» تؤكد الوالدة وهي تشير إلى المكانة الخاصة التي يحظى بها الهالك في قلبها مؤكدة ان الفاجعة كانت قاسية عليها وعلى زوجها.
منذ تلقيها خبر هلاك الشاب أمرت النيابة العمومية بالقيروان عبر إنابة عدلية للفرقة العدلية للحرس الوطني للتحقيق في حادثة سقوط الشاب في البئر، بعد ان تم عرض جثة الهالك على ذمة الطبيب الشرعي الذي سيحدد وجهة الأبحاث وينتظر أن يصدر قريبا.
وعلمت «الشروق» انه تم إيقاف الشبان الخمسة الذين كانوا برفقة الهالك ومن بينهم شاب أكد أمام باحث البداية ان الهالك كان يجلس بجواره وانه عندما مدد أطرافه (تكسل) لامست جسد الهالك فسقط في البئر ولعله هو الذي علمنا اصابته بصدمة وعجز عن النطق اثر الحادثة.
وينتظر أن يتم إطلاق سراح الموقوفين أو تمديد مدة إيقاف عدد منهم لمواصلة التحقيق في الواقعة التي راح ضحيتها شاب في عمر الزهور.
وأثناء مغادرتنا القرية مررنا بذلك الكهل الذي التقيناه عند البئر فشدد على ضرورة تسييج البئر أو ردمها أو إحكام غلقها حتى لا يذهب ضحيتها شخص آخر علما وأنها تقع بين المنازل كما ان الأطفال يرتعون قربها صباحا مساء فهل سيزول الخطر قبل أن تفيض من البئر الدموع بدل الماء. * متابعة: ناجح الزغدودي



Juillet 2009
LMMJVSD
01 02 03 04 05
06 07 08 09 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31
<< >>