نجا من الآلة الحاصدة قبل أن تقتله شاحنة «القرط»: «حمّه» شيّد لأبنائه حيّا سكنيا حتى لا يتفرقوا
Al Chourouk - 2009-09-04Lu 671 fois
باجة ـ الشروق:
بين منزل حمّه السعيدي ومكان موته بعض الأمتار، لذلك أخذ ابنه يطلعنا في البداية على المكان الذي باغتت فيه شاحنة الموت والده وعلى بعد 15 مترا كان رحيل هذا الوالد هو ونعجة من قطيع كان يقوده حمّه الى البيت بعد رحلة رعي انطلقت بعيد الفجر وانتهت مع حوالي العاشرة صباحا منذ أيام قلائل على الطريق الحزامية لمدينة باجة بالقرب من مفترق الطرقات التي تؤدي إحداها الى منطقة المعقولة من معتمدية باجة الجنوبية.
سار بنا ابن الفقيد بضعة أمتار بعيدا عن مكان الحادث لنجد أنفسنا وسط حيّ سكني عاديّ عدد منازله لا يتجاوز الخمسة خلف الصيدلية الليلية المطلة على الطريق وبعض الدكاكين.
أمام منزل حمّه عدد من الكهول والشبان يتجاذبون أطراف الحديث، تخطينا الباب الرئيسي حيث كان عدد من النسوة يواسين زوجة حمّه.
استقرارنا كان في غرفة الجلوس بمنزل حمّه بداية الحديث كان مع مجيد الابن الأكبر للفقيد قبل أن تلتحق بنا الخالة علجية زوجة حمّه وابناها الآخران.
نقلا عن لسان شاهد عيان أفادنا مجيد أن والده كان لحظة الواقعة يقود قطيعا من الغنم نحو المنزل وكان بعيدا نسبيا عن حافة الطريق بما يجعله وقطيعه في مأمن من السيارات.
وفجأة قدمت شاحنة تحمل «بالات قرط» وتتمايل يمنة ويسرة وهي تنزل المنحدر قبل أن تنحرف نحو حمّه قتباغته بصدمة عنيفة ألقته على بعد 15 مترا من مكان الاصطدام.
ثم انحرفت الى الحافة الأخرى من الطريق ثم عادت لتصدم نعجة من القطيع وسط تناثر القش وسقوط «بالات القرط» هنا وهناك ولم يتوقف هيجان الشاحنة الا عند اصطدامها بباب أحد المنازل الواقع على حافة الطريق.
شُفيت ليموت
علجية زوجة حمّه ارتدت جبّة نسائية سوداء ولحافا أسود، لم تتجاوز حدود المعقول في التعبير عن خزنها وألمها لفراق زوجها... ولم يمنعها حزنها من التحدث إلينا قائلة:
«فجر يوم الواقعة نهضت من النوم وأحسست بأنّي قد تخلّصت كليّا من مرض رافقني لبعض الأيام... وانطلق زوجي كعادته بالقطيع نحو المراعي القريبة... ومع حوالي العاشرة صباحا كنت أقوم ببعض شؤون المنزل عندما أفزعني صياح غير عادي... فتحت نافذة المنزل المطلة على الطريق... رأيت الناس يحثون الخطى في نفس الاتجاه... لم أفهم شيئا... تأكدت أن الصياح من احدى بنتيّ ولفظ «بابا... بابا» أوحى إليّ بأن مصيبة قد حلّت بزوجي حمّه... التحقت بالجميع الى أن قدم أعوان الحماية المدينة لأعلم بعد ذلك أن حمّه قد لفظ آخر الأنفاس وفارقني الى الأبد.
حمّه السعيدي البالغ من العمر 65 سنة يوم وفاته، قد تزوّج علجية وكان عمرها 16 سنة، في حين لم يتجاوز حمّه سنّ العشرين مات والد علجية وعمرها 6 سنوات فكان حمّه زوجها ووالدها في الآن نفسه على حدّ تعبير أحد أبنائها... اشتغل الفقيد بإحدى شركات البناء وأنجب من البنين ثلاثة ومن البنات اثنتين... ربّى حمّه أبناؤه على الا يتفرقوا أبدا وربّاهم على حبّ العمل والكدّ والاجتهاد فتزوّج كل أبنائه وبناته واستقلوا بالسكن... كان يكره أوقات الفراغ لذلك عمل بالتوازي مع شركة البناء في المجال الفلاحي وقبل 20 سنة ولد حمّه من جديد عندما صدمت الآلة الحاصدة رأسه ذات موسم حصاد، لكنه لم ينجح اليوم من صدمة الشاحنة.
حيّ للأبناء
قلنا ان حمّه قد علّم أبناءه كيف يجتمعون ولا يتفرقون أبدا سواء في حياته أو بعد مماته... ولا أدلّ على ذلك من أن الحيّ السكني المذكور سابقا ومنازله الخمسة إنّما هو حيّ سكني شيّده حمّه لابنائه وبناته... فالحي بمنازله فيه اخوة وأصهار ولا مكان فيه للأجوار... وكل الموجودين أمام المنزل وفي حديقته وداخل غرفة الجلوس انما هم أبناء الفقيد وبناته وأصهاره وزوجته وأحفاده.
رحل حمّه فجأة بعد أن أدى الأمانة وأتمّ رسالة الأبوة ما اشتكى من مرض ولا علّة.
إيهاب النفزي