في القيروان: معوق يخشى مغادرة المستشفى !

Al Chourouk - 2009-09-06
Lu 583 fois

القيروان ـ الشروق :
هزيلا كمن هجر الطعام أصفر اللون أسير الفراش وقد رفعت في وجهه بطاقة معوق زادها شوقه لوالدته العجوز ووالده المسن المقعد.
منذ عام ونصف وهو على تلك الحال في تلك الغرفة من المستشفى يسأل كل من يأتي زائرا عن أحوال الدنيا يستمد منهم بصيص الحياة. أفراحها وأعيادها جميعها نسيها بعد طول غياب وعجزه عن الحراك جعله يتمنى الوقوف لحظة ولو على عكازين وان يخطو في الدنيا خطوة او يرى نورها بعد ان نسي مشيته.
ومع تلك الأحلام وجد نفسه في حلقة أخرى من الحيرة فهو مطالب بمغادرة المستشفى بينما لا يجد من يعتني به خارجه فأصبح يخشى الخروج دون ذلك الجهاز.
تلك هي حال الشاب مروان غيضاوي الذي أقعده حادث مرور عن الحراك وألزمه الفراش منذ شهر مارس 2008 اي طيلة عام ونصف قضاها يتردد بين أحلامه وأمنياته. عجزه وآلامه جعلاه يرفع نداء الى ذوي القلوب الرحيمة لمساعدته على اقتناء جهاز طبي يمكنه من الوقوف على ساقيه حتى يتسنى له المشي على عكازين.
«الشروق» زارت الشاب مروان في المستشفى ونقلت تفاصيل معاناته النفسية والجسدية كما نقلت أمنياته الى العالم الخارجي الذي لا يعرف عن مستجداته شيئا.
حادث مرور مروّع
مروان الغيضاوي أصيل معتمدية بوحجلة (القيروان) كان شابا يتقد حيوية ونشاطا ومحل اعجاب كثيرين من أبناء قريته بل وموضع حسد بعضهم... كل تلك الحيوية والاقبال على الحياة توقفت فجأة مع حادث مرور.
كان مروان رفقة صديق له خلال شهر مارس من العام الفارط (2008) على متن دراجة نارية في اتجاه محل اقامتهما وقبل بلوغهما المنزل بلحظات فاجأتهما شاحنة خفيفة من الخلف قصدمتهما مما أدى الى وفاة صديقه على عين المكان وتعرضه هو الى اصابات خطيرة طالت رقبته وحوضه وساقه اليمنى.
وذكر مروان انه لا يتذكر تفاصيل ما جرى لكنه علم بما حدث من روايات شهود عيان فحمد ا& على نجاته. مكث نحو نصف شهر في غيبوبة وفي انقطاع عن العالم ثم واصل الاقامة نحو شهرين آخرين في غرفة الانعاش بعد استعادته وعيه.
مكث مروان نحو 5 أشهر بسبب خطورة اصاباته أجرى خلالها عديد العمليات الجراحية ثم غادر المستشفى الى منزل والديه غير انه لم يجد من يعتني به هناك أمام حاجته الملحة الى الرعاية المستمرة بسبب عجزه عن الحركة كليا. في حين كانت والدته العجوز مريضة ووالدته مقعدا عندها طلب الشاب اعادته الى المستشفى حيث تمتع بالرعاية والعناية من قبل الاطباء والممرضين طيلة عام كامل (بعد المدة الاولى).
بين العيدين
يذكر مروان ان عودته الى المستشفى كانت خلال شهر رمضان الفارط وقد تم الاحتفاظ به وواصل تلقيه العلاج (أدوية وتدليك والعناية الفائقة والمعاملة الحسنة) لكن دوام الحال من المحال كما يقال فقد تلقى مروان أمرا من ادارة المستشفى منذ ثلاثة أشهر بحتمية مغادرة المستشفى لاستيفائه العلاج.
لكن ماذا يفعل هذا الشاب امام الامر الواقع. أين يذهب من سيعتني به وهو على تلك الحال؟ فوالداه مسنان معدمان امام حاجته الاكيدة الى الرعاية.
هذه الحيرة قطع مروان حبلها بالاصرار على البقاء بالمستشفى. وقد تمت مراعاة حالته الصحية والانسانية وسمح له بمواصلة الاقامة مع تواصل تلقيه العلاج والدواء والحقن وتغيير الملابس والنظافة بصفة عادية مما جعله يوجه تحية شكر كبيرة الى الاطار الطبي والاداري لمستشفى الاغالبة لمراعاته ظروف حالته الانسانية ومع ذلك فإن الإطار الطبي أوضح له ضرورة مغادرة المستشفى لصالحه.
«العين بصيرة واليد قصيرة» هو المثل الذي اصبح مروان يردده لكل من يسأل عنه من الزوار المترددين عنه من حين الى آخر. فقد أضحى ثمن الجهاز الذي يقدر بألفي دينار الشغل الشاغل لمروان يتمنى توفره في أسرع وقت حتى يخرج الى الشمس التي اشتاق الى نورها كما اشتاق الى والدته التي لم يرها منذ 8 أشهر.
آخر أمنية
كان مروان مستلقيا على الفراش لا ترى منه الا نصف جسد هزيل برزت عظامه. اما حوضه وساقاه فيخفيها تحت الإزار.ويشكو مروان من آلام من آلام في معدته وانزلاق في فقرات رقبته وكسور في ساقه اليمنى وآلام على مستوى الحوض مما جعله يعجز عن الجلوس على الكرسي المتحرك وحتى التمدد على جانب واحد من جسده ولو لوقت قصير.
كما نتج عن فرط نومه وتمدده بروز مضاعفات اخرى من تصلب عضلات يديه حتى أضحى لا يقوى على الامساك بملعقة الاكل الى ميل لون بشرته الى الصفرة ونحوله وأفول زهرة شبابه. بين أطراف المعضلة يتقلب بحثا عن خلاص خاصة ان طبيبه المباشر بشره بقدرته على المشي في صورة اقتنائه جهازا طبيا بمثابة آلة تثبت على مستوى الحوض تمكنه من الوقوف ومن خلال الاستعانة بالعكازين يصبح بإمكان مروان المشي لخطوات على ظهر الدنيا.
يشدد على تفاؤله بأن ضوء تلك الشمس التي لا يرى شعاعها سيحمل له خبرا مطمئنا خاصة عن قضية جبر الضرر التي رفعها في حقه محاميه. فقد ظل ينتظر صدور قرار المحكمة بالتعويض الا انه لم يحصل على ذلك وأخذت الجلسات أطوارا وحلقات طويلة وعلمنا من محامي الشاب انها ستطول قبل ان يتمكن مروان من الحصول على تعويض عن الأضرار. وقد علمنا من محاميه ان المحكمة الاستعجالية رفضت تمتيعه بمبلغ يواجه به مصاريفه بسبب تشدد صندوق التأمين وانتظار تقرير الطبيب بخصوص الأضرار البدنية.
من يخرجه من عزلته؟
عام كامل مضى وهو في عزلة عن الدنيا لا يعلم عن أفراحها ومناسباتها السعيدة شيئا. فقد كان دخول شهر رمضان أمرا عاديا بالنسبة اليه لم يتذوق فيه طعم الحياة فكان كالذي سبقه وكيف لمقعد حبيس الفراش مريض ان ينعم بمباهج الحياة ومسراتها وهو بالسرير لصيق.
«أرى الناس يمشون فأتحسر وأتألم كثيرا لعجزي» يؤكد مروان ويرى ان حياته انتهت عند سرير الاعاقة وهو يمرر شريط الذكريات أمامنا. «كنت شابا يافعا أمارس أعمال التجارة والفلاحة وأكسب الكثير لكن كل شيء ذهب وأنفقت ما لدي على العلاج».ويقدر مروان مصاريف علاجه بـ13 مليون منها 4 ملايين هي دين مطالب بإرجاعه على أمل الحصول على تعويضات جراء السقوط البدني الذي تسبب فيه الحادث.
في الوقت الحاضر لم يعد أحد يعطيه المال الذي يحتاجه بمن فيهم محاميه الذي توقف عن مساعدته عند مبلغ مالي محدد. كما أنه لا يجد ما ينفقه خاصة وانه يستعمل حفاظات ويحتاج الى مصاريف للعلاج والغذاء يعجز المستشفى عن توفيرها رغم ا
لجهود المبذولة والخدمات الجليلة التي يقدمها الاطار الطبي وشبه الطبي الذي يتكفل بالعلاج والتدليك واحتياجاته الخصوصية.
كان يعبر عن شوقه في الحصول على ذلك الجهاز الطبي كمن ينتظر دخول عالم الاحلام وهو يتمنى ان يتم تركيب الجهاز فيخرج «ويحلق تحت الشمس». ويضيف «أتمنى ان انهض وان امشي من جديد مثل بقية الناس وأن أساعد والدي...» ثم يتراخى في فراشه كمن تلقى «صفعة» بعد ان آلمته ساقه التي رغب في تحريكها في انتظار ان يمشي على قدميه. متابعة ناجح الزغدودي



Septembre 2009
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06
07 08 09 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30
<< >>