على الهامش: سبيطلة... لا أحد يقدر على حرقها
Al Chourouk - 2011-07-13Lu 431 fois
منذ كنت صغيرا كانت سبيطلة بالنسبة اليّ العالم الذي يدهشني بأسراره المكتنزة وسط أسئلة الرومان والبيزنطيين.. كنت دائما أبحث عن دم جرجير، وعن بقايا سيوف العبادلة السبعة وآثار خيولهم وصهيلها...
كنت أعشق التيه وسط تلك الاثار الممتدة أرضا وزمنا.
كانت سبيطلة بالنسبة الي الارض التي أرتوي من مائها وأحتضن روعة ودفء أهلها من الشرايع الى الثكنة.
عندما كنت صغيرا كنت أذهب مع أبي الى العم الصادق «صدّار البرانيس» الذي يخط على ذلك البرنس الابيض بخيوط دافئة غزيرة الابداع، كنا نمر بمنطقة الهراهرة، فنأخذ سطلا مملوء بالغلال، ثم نتجه الى سبيطلة لنقضي جزءا من اليوم قبل ان نعود الى القصرين.
وعندما كبرت وأصبحت أتنقل الى الجامعة او الى العمل بتونس كنت أمر بالشرايع وبالهراهرة وبسبيطلة متجها إما الى القيروان او الى العاصمة كانت ذكريات الطفولة تعبر مخيلتي مع كل التفاتة يمينا او شمالا...
في كل زياراتي اللامتناهية الى سبيطلة وتخومها لم أسمع يوما منذ أربعة عقود عن عروش وقبائل كان الجميع مع الجميع، كان الأهالي يتآلفون ويتضامنون ويتحدون لمواجهة المخاطر.
تلك الربوع أسقطت جرجير وكانت محور ثورة 542 ميلادي، من تالة مرورا بالقصرين فسبيطلة عبر العيون وزلفان والعناينية والدولاب والبرك والجوا...
كان المكافح علي بن غذاهم يقاتل من أجل الحرية والكرامة، وكانت ثورة 1864... نفس تلك الرجال والنساء... قدّموا الدم ليرحل الطاغية الفاشستي بن علي وعصابته.
عندما انتفض الاهل في تلك الربوع ضد نظام بن علي لم يسأل أحد منهم عن أصول الآخرين وأعراقهم، كان الجميع ينادي بصوت واحد من أجل سقوط النظام.
سقط بن علي ومن معه، لكن مازالت أزلامه ترتع وسط التفاصيل المنسية... ترتع وسط النسيان حرّكوا الطيبين وقالوا انها نعرات عروشية، وأرادوا حرق تلك الارض الطيبة الولاّدة... لكن لا أحد يقدر على حرقها... أبناء الشرايع وسبيطلة وكل أبناء تلك المناطق الصامدة الرائعة المقاومة رغم تفقير الدولة وتهميشها لهم، أبوا الا الصمود في وجه تيار التدمير.. لا أحد من أولئك الذين أعرفهم منذ كنت طفلا قادر على ان يكون سببا في ان تدمع عين أم من أجل ابنها او زوجها...
انهم ككتلة اليد الضاربة الصامدة في وجه كل قوى الردة والتقسيم، وفي وجه أعداء الثورة التي سقاها أبناؤهم بدمائهم الزكية الطاهرة. كل شيء في تلك الربوع جميل.. حتى الشمس الحارقة تمتاز بطعم فردوسي، لا شيء أروع من ذكريات الطفولة.. لا شيء أجمل من أرض سقاها أبناؤها حرية وكرامة.
منجي الخضراوي