عقوق الأبناء: جذوره ونتائجه واقعا وقانونا
Assabah - 2010-07-24Lu 2770 fois
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني"، هذا البيت الشعري الذي ذهب مضرب الأمثال ينطبق على بعض أبناء هذا الجيل إن لم نقل أغلبهم في تعاملهم مع آبائهم وأمهاتهم ففي الماضي البعيد وحتى القريب جدا كان الابن سواء كان طفلا أو مراهقا أو شابا يحترم السلطة الأبوية احتراما كبيرا حتى أنه يستحي من التدخين أمام والديه، أما اليوم ومع تغير طبيعة العلاقة بين الأبناء والآباء (نحو الأسوإ طبعا) أصبح بعض الأبناء لا يتورعون عن الاعتداء على والديهم بالعنف اللفظي والمادي، رامين بكل القيم والأخلاق عرض الحائط فما هي أسباب هذا التدني الأخلاقي في العلاقة بين الآباء والأبناء وما رأي القانون في هذه الظاهرة وهل يمكن أن نقول أن هناك قصورا في النص القانوني لمواجهة هذه الظاهرة ؟ بينت الدراسات والإحصائيات أن حوادث اعتداء الخلف على السلف (أي اعتداء الأبناء على الآباء) تتم في أغلب الأحيان داخل الشرائح الاجتماعية المعدمة ماديا، أو تلك المصابة بالتفكك الأسري كطلاق الأبوين أوالتي يغلب التوترعلى علاقة الوالدين بداخلها. ففي الكثير من عائلات اليوم نجد التواصل منعدما بين أفرادها فالأب والأم لا يتورعان عن كيل التهم لبعضيهما فيعامل الواحد منهما الآخر معاملة سيئة كأن يقزم الأب زوجته أو ينعتها بنعوت جارحة أو نجد الأم تهين الأب وتنعته بنعوت قاسية أمام أبنائه أو تصرخ في وجهه فتترسخ في ذهن الطفل أن هذه هي الطريقة العادية للتعامل مع الأب أو الأم أما في الأوساط الميسورة ماديا فإن حوادث الاعتداء مردها تنشئة الابن على «الدلال» المفرط وعدم رفض أي طلب له بحيث يؤدي أول تصادم معه إلى حصول الاعتداء كما بينت عدة دراسات أن تراجع المستوى الفكري للأولياء و عدم استقرارهما على طريقة واحدة للتعامل مع الطفل تعتبر من الأسباب الرئيسية في هذا العنف كما أن بعض الأبناء تربوا على العنف وفتحوا أعينهم عليه فما إن يخطئ الطفل حتى يتم تسليط أقسى أنواع العقاب عليه من دون النظر إلى قيمة الخطإ في حد ذاته كل هذه الأسباب و غيرها تؤدي إلى فتور العلاقة بين الآباء والأبناء بالاضافة إلى أن عامل انعدام الحوار بين الطرفين يؤدي حتما إلى علاقات متوترة تؤثر على الحياة الأسرية وتتسبب في فقدان الثقة في صلب العائلة كما أن ابتعاد الأب عن وظيفته الأساسية وترك المسؤولية كاملة للزوجة يساعد في تعميق وتوسيع الفجوة وينتج عديد حالات الاعتداء والعنف اللفظي وحتى الجسدي فما رأي القانون في هذه المسألة أو هذه الظاهرة؟ وهل هناك قصور في النص القانوني أم لا؟ يقول الأستاذ كمال بن خليل حول الموضوع: جاء بالفصل 218 من المجلة الجزائية أنه:» من يتعمد إحداث جروح أو ضرب أو غير ذلك من أنواع العنف ولم تكن داخلة فيما هو مقرر بالفصل 319 يعاقب بالسجن مدة عام وبخطية قدرها ألف دينار وإذا كان المعتدي خلفا للمعتدى عليه أو زوجا له يكون العقاب بالسجن مدة عامين وبخطية مالية قدرها ألفا دينار و يكون العقاب بالسجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها ثلاثة آلاف دينار في صورة تقدم إضمار الفعل وإسقاط السلف المعتدى عليه يوقف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب» شدد القانون في العقاب إذا كان الجاني خلفا للمتضرر أي كان ابنا له أو حفيدا ، كما شدد القانون في العقاب عند إضمار الفعل أي عندما تتوفر النية المسبقة في ارتكاب الاعتداء وذلك تطبيقا لمبادئ الأخلاق والسنة التي تدعو إلى البر بالوالدين واحترامهما في الكبر رغم ذلك فإن أروقة المحاكم تشهد ارتفاعا مهولا في عددل قضايا العقوق، مما دفع القضاة إلى اعتماد الصرامة وعنصر التشديد في مثل هذه الملفات لكن المشرع وحفاظا على الترابط الأسري وتماسك الأسرة حدد فقرة في الفصل 218 من المجلة الجزائية وهي الإسقاط الذي يقدمه المتضرر والذي يوقف التتبعات في أي طور من أطوار القضية سواء كانت في مرحلة البحث أو حتى في مرحلة المحاكمة و الغاية التي سعى اليها المشرع سواء بتشديد العقوبة أو في إسقاط الولي للدعوى هي التماسك الأسري والحفاظ على الأسرة لا يمكن الحديث عن قصور في النص القانوني لأن القانون التونسي نص على ضرورة التشديد ومضاعفة العقوبة مقارنة بجرائم الاعتداء الأخرى ، وقد كانت عقوبة العقوق تشمل فقط جريمة اعتداء الخلف على السلف وباجتهاد من القضاة بالمحاكم التونسية أضيفت لها جريمة أخرى وهي الاعتداء على الأخلاق الحميدة في صورة الاعتداء اللفظي على الوالدين وهو ما يجعل الحق العام طرفا في القضية فحتى وإن اسقط الولي حقه في التتبع فإن ذلك لا يحول دون تسليط العقاب على الابن بتهمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة لمياء الشريف