في حفوز: مات الابن بنفس الطريقة التي لقي بها الوالد حتفه

Al Moussawwer - 2008-09-05
Lu 697 fois

بين الماضي والحاضر تكررت صورة المأساة وانطلق العويل من نفس المكان في حادثتين متشابهتين  بالأمس البعيد ومنذ عقدين من الزمن لقي الأب حتفه بعد أن داهمته شاحنة فداست جسده وتركته يتخبط في دمائه ليُخلّف الأسى في قلوب أبنائه وزوجته، واليوم  تتجدّد المصيبة ولم تتوقّف عجلات الموت عن الدوران لتصدم هذه المرة ابن الضحيّة وتعصف بشبابه ليُرفع جُثمانه على الأعناق نحو المقبرة التي دُفن فيها والده.
هكذا شيعت الأوساط التربوية بحفوز وحشود غفيرة من الأقارب والأجوار مساء الاربعاء الماضي الاستاذ وليد الجبنوني الى مثواه الاخير بمقبرة «أولاد الحاج عمار» من منطقة خيط الوادي التي تبعد حوالي خمسة عشر كيلومترا شمال مدينة حفوز بعد أن تعرض قبلها بيومين الى حادث مرور قاتل.
* تفاصيل الحادثة
حسب ما جمعناه من معلومات فإن وليد تحول مساء الاثنين صحبة ثلة من أصدقائه ليحضر حفل زفاف أحد أقاربه بأحواز مدينة حفّوز فشاركه فرحته ورقص معه الرقصة الاخيرة، وبعد انتهاء السهرة قفل راجعا ليقطع مسافة قصيرة نحو المعبّد مشيا على الأقدام... وما إن وصل وأراد عبور الطريق حتى داهمته شاحنة كانت قادمة بسرعة جنونية فصدمته صدمة قاتلة عجلت بوفاته.
* الضحية
وليد شاب من مواليد 28 مارس 1979 تحصل على الاجازة في اللغة الفرنسية وباشر حديثا عمله بأحد المعاهد الثانوية... فقد أباه عبد الكريم وهو طفل في العاشرة من عُمره على اثر حادث مرور وذلك يوم 28 جويلية 1988 فتكفّلت الأم لطيفة بتربية أبنائها أحسن تربية... ترملت وهي في عزّ شبابها وأغلقت منافذ الارتباط والزواج بل أخذت عهدا على نفسها بأن تعيش لأجل صغارها وبدأت رحلتها مع النضال والكفاح... فربت خرفانا وجداء لترعاها بالقرب من مُحيط بيتها... وعزقت الأرض بمعولها وأظافرها لتقتلع الأحجار وتزرع مكانها الاشجار وبشقاء كبير ومكسب ضئيل جعلت الحياة تستمر.
* في موقع لفاجعة
«المصور» تحوّلت الى منزل أهل الفقيد «بأولاد الحاج عمار» وهي منطقة يغلب على مساحتها لون حُمرة  التراب أكثر من الاخضرار لقلّة المياه وفي أحد المرتفعات القاحلة المحاطة بأشجار قليلة وعليلة وأعشاب ذابلة لاح لنا البيت الذي كان يعجّ بالمعزّين... جلس الرجال في الفضاء الخارجي في صمت رهيب... أما الساحة الداخلية فكانت للنساء وقد تحلقن حول سيدة تصرخ بأعلى صوتهاوتبكي على ماض أفقدها زوجها وحاضر خطف منها ابنها وكلاهما خمدت أنفاسه وسالت دماؤه على الطريق وبنفس الطريقة.
* فرحة لم تكتمل
احدى شقيقات وليد كانت لا تزال في حالة من الذهول من أثر الصدمة ولوعة الفراق كانت تناجي الأموات على مسامع الأحياء وتردّد في هذيان بأن أخاها لم يمت لأنه لا يستطيع فراقهم حتى يحقق كل وعوده... وأن طيفه لا يزال يحوم كالنسمة المنعشة مع أنفاسهم وأبصارهم وأنه نقطة  الأمل المشرقة لكل أفراد العائلة... لقد كان بشوشا مع الكبار والصغار... ولا يبخل بالعطاء... كان لطيفا جدا معنا وتحمل المسؤولية كاملة منذ أن باشر وظيفته حتى يعوضنا سنوات التعب والشقاء... ولكن شاء القدر أن تتبخّر أحلامنا ولم تدم فرحتنا... وليس لنا من خيار آخر الا الصبر على قضاء الله... مقدر علينا أن نواصل رحلة كفاحنا ونسترجع قطيع خرفاننا لنرعاها من جديد حول منزلنا ونخرج من معاولنا من تحت بقايا تبننا وحطبنا لنعزق الأرض بعرقنا ودمائنا عسى أن ينبت الزهر ذات يوم لنصنع منه إكليلا نضعه على رؤوس أمواتنا».
* طلب من أمه ان تستريح من شقاء الحياة
أحد أقارب الضحيةوصديقه السيد مبروك الجبنوني الذي رافقنا في هذه الزيارة كانت تظهر على ملامحه علامات الحزن والكآبة فأفادنا بصوت منخفض أن وليد شاب متعلّم ومتخلّق وأنه محبوب بين عشيرته وأفراد أسرته ورغم مكانته في المجتمع الا أنه كان رفيعا في تواضعه وبسيطا في تعامله مع الآخرين وفي أكثر من مناسبة كان يطلب من أمه أن تركن للراحة وأن تستريح في بيتها ليتكفل بكل مصاريفها وحاجيات البيت... ولم يكن المسكين يعلم أن ساعة الموت كانت قريبة منه لتفرض عليه الاستراحة الابدية في قبره.
فرحم الله وليد رحمة واسعة ورزق أهله وذويه جميل الصبر والسلوان.
* عبد الحميد السالمي



Septembre 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06 07
08 09 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30
<< >>