في باجة: خرج لممارسـة كـرة القدم فعـاد جثّـة هامدة

Al Moussawwer - 2008-10-16
Lu 564 fois

المرأة ممنوعة من السير في الجنازة وبالتالي فإن مواكبتها لمراسم الدفن بالمقبرة هو أكثر من ممنوع، لكن لا أحد نجح في منع سيدة مساء الثلاثاء المنقضي بمدينة باجة من استقبال جثة ابنها داخل القبر المعد لدفنه.. أما سبب خروج هذه السيدة عن المألوف فهو عدم تصديقها ان ابنها جمال قد فارق الحياة وفي لمح البصر.
هذا ما حدّثنا به أحد أصدقاء الهالك وهو يحاول اختزال ثلاثة أيام من الحزن والبكاء والحرقة جمعت أكثر من قريب وأكثر من صديق داخل وأمام منزل بحي المنار بمدينة باجة.
عشرات من أصدقاء الهالك دأبوا منذ يوم الواقعة على الالتقاء أمام منزل صديقهم يراجعون شريط حياة جمال ويحاولون عبثا تخفيف وطأة هلاكه على أفراد عائلته فينساقون في موجة البكاء الحارق التي لم تنقطع بعد، ولا أحد منهم يعلم متى ستنقطع.
* المباراة الأخيرة
جمال شاب أدرك منذ أيام سنته الرابعة والثلاثين من العمر، شرع مؤخرا في التخطيط لحياة مستقبلية أفضل من حاضره وماضيه وأهم برنامج في هذا التخطيط هو زواج في الصائفة المقبلة، فشاحنته الصغيرة وتجارة الخضر يوفران المطلوب وزيادة... وبقي همّه الوحيد أن يلقى عروسه وهو في أفضل حالاته الصحية ولم يجد أفضل من الرياضة سبيلا لذلك. دأب منذ أشهر على المشاركة مع ثلة من أصدقائه في مباريات كرة قدم يحتضنها عادة الملعب المعشب اصطناعيا بباجة، ومع كل صعود على الميزان كان جمال يطير فرحا بكل كيلوغرام يفقده فيدفعه الى المزيد من المباريات.
مساء الاثنين المنقضي ملأ جمال حقيبته الرياضية وامتطى شاحنته الصغيرة وانطلق نحو الملعب المذكور... وجد أصدقاء العادة في انتظاره فانطلقت المباراة وتتتالى الدقائق  وجمال لا يبالي بالعرق والارهاق ما دام يرى نفسه يزداد رشاقة لحظة بعد أخرى... فجأة توقف جمال عن اللعب دون ان تتوقف المباراة... حدّث أصدقاءه عن ألم مفاجئ وحاد على مستوى الصدر وانطلق الى شاحنته شغل محركها وتوجه الى المستشفى الجهوي بباجة ليشكو أمر صدره الى الطبيب.
هكذا حدّثنا صديقه خميس الصيفي أبرز من رافق جمال في رحلة المستشفى، استرد محدثنا أنفاسه ومسح دمعا ثم استأنف.. «في الطريق اختفت الآلام وفكّر جمال في العودة الى الملعب لكن الالم عاوده فواصل طريقه وحلّ بالقسم الاستعجالي وفي غياب طبيب متخصص في أمراص القلب هاتف محدثنا خميس طبيبا خاصا ترك عيادته والتحق بالقسم الاستعجالي.. كان جمال يتلقى بعض الاسعافات على سرير متحرك وكان خميس الى جانبه يشد أزره ويشجعه على الصمود خاصة بعد موجة العرق التي غطت جسد المصاب... وصل الطبيب المتخصص لكن بعد ان كست «الزرقة» جسد جمال وحتى محاولات الصدمات الكهربائية باءت بالفشل لأن إرادة الله قد سبقت إرادة الجميع ففارق «اللاعب» الحياة الى الابد وكانت مباراة مساء الاثنين المباراة الاخيرة ونقطة نهاية كل الاحلام والبرامج والمخططات الخاصة بشاب الاربع والثلاثين سنة.
* الكل يبكي ولا أحد يصدّق
وصل النبأ الى الملعب فالتحق كل «اللاعبين» بالقسم الاستعجالي وهم يرتدون أزياءهم الرياضية.. الذهول يعلو كل الوجوه فلا أحد يصدّق ما حصل ولا أحد انفك عن البكاء لحظة التأكد من وفاته وما تلاها. انتهت كل الاجراءات القانونية وعاد جمال الى منزل والديه جثة لا حراك بها ليمتلئ المنزل والحي بالأقارب والاجوار والأصدقاء بأعداد تختزل علاقة جمال بكل من عرفوه فالهالك ليس نجما محترفا في عالم كرة القدم وانما احترف دماثة الاخلاق والطيبة وخفة الدم والروح فأحبه القريب والبعيد والتحقوا بمنزل والديه لحظة وصول الجثة.
* لم تصدّق
نقطة نهاية الزيارة والتحقيق ما حدثنا به السيد بشير العمدوني الذي تعتبر مدة بكائه على فراق جمال أطول من المدة التي عرفه خلالها فأحبه.. فقد ذكر محدثنا ان والدة جمال وفي ساعة متأخرة من ليلة الواقعة جلست الى جانب جثة ابنها وأسندت رأسه على ركبتيها ثم أزاحت اللحاف عن وجهه وراحت تبكيه بحرقة.. كانت أسنان الهالك بارزة بما يوحي أنه يبتسم.. توقفت الأم عن البكاء فجأة وصاحت: «جمال يبكي ويبتسم، انه مازال على قيد الحياة... دليل الابتسامة في فتحة فمه ودليل البكاء في الدمعة المستفرّة بإحدى عينيه».
الأمر وإن كان لا يُصدّق الا ان رغبة الجميع في عودة جمال الى الحياة جعلهم يسارعون بإحضار طبيب، حلّّ بالمنزل مع حوالي الثانية بعد منتصف الليل وبعد اطلاعه على الجثة لم يجد صعوبة في تأكيد ما أقرّه سابقه بأن جمال قد ذهب ولن يعود.
* ايهاب النفزي



Octobre 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05
06 07 08 09 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31
<< >>