الديمقراطية والاسلام
Assabah - 2012-05-16Lu 380 fois
بقلم: د. سليمان الدقي - كتب الكثير وكنت على علم تام بالندوات والدراسات في عدة جهات ثقافية مختلفة حول هذا الموضوع، ولكن موضوع الديمقراطية من المواضيع التي يحبذ إستمرار وتكرار الحديث حولها ومدارسة عناصرها ليس من منظور المفاهيم فقط بل أيضا من الناحية التاريخية وتطور الفكر من أجل تعبئة دائمة لعلّ ذلك يسفر عن ترسيخ تقاليد صالحة حتى نكون مجتمعا حرا ديمقراطيا وعدالة إجتماعية وهذا ما نصبو اليه جميعا. وفي الحقيقة، الديمقراطية ليست كلمة وإنما هي تطبيق، فكم من جماعات سواء كانت حكومات أو أحزاب أطلقت على نفسها لفظ الديمقراطية وهي بعيدة عن ذلك في الفكر والتطبيق. كلمة الديمقراطية: يونانية تعني حكم الشعب، وهي أم الديمقراطية الأثنية وهي أم الديمقراطية الحديثة. لم تجلب لأن الطبقة الحاكمة قد رغبت في نشر العدالة وحبا في أفراد الشعب، وضرورة مشاركة المواطنين في الحكم ولكن لأنها احتاجت إليهم وأصبحت الحياة بدونهم غير كاملة، وأنتهت أخيرا الى ان مشاركتهم في الحكم ضرورية لبقاء المجتمع حيا وإمكان إستمراره في الحياة الإجتماعية. هي الديمقراطية لا العدالة المجردة ولا فكر المساواة في الحقوق والواجبات. الديمقراطية هذا المفهوم الغربي، عرف من سياقه التاريخي بثلاثة أنواع. الأول الديمقراطية المباشرة على أساس الجهود الفلسفية لسقراط وأفلاطون وأرسطو، والتي تعني حكم الشعب لنفسه. والنوع الثاني الديمقراطية الليبيرالية والتي أتت نتيجة كفاح نخب صاعدة ضد سلطة الكنيسة والاقطاع، وقد أرتبطت نشأتها بفكرة العلمانية. وكانت فلسفتها الاقتصادية الليبرالية التي ظهرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر على أساس حرية التجارة وحرية المستهلك في إختيار ما يلائمه من السوق في الاقتصاد، وحرية المواطن في إختيار ما يلائمه ممن يمثله في السياسة. أما النوع الثالث للديمقراطية، فقد كان ظهور النظرية للطبقة العاملة في القرن التاسع عشر والتي برزت من خلال تطبيقها، ديمقراطية تحسب بالديمقراطية الشعبية وهي تطبق في البلدان الشيوعية. وكل هذه الديمقراطيات لها عدة عيوب فأما الديمقراطية المباشرة فهي أنها لا تصلح إلا للجماعات الصغيرة وإنها كانت تطبق في المدن ذات الكثافة القليلة في اليونان، من الممكن إجتماع سكان المدينة في مكان واحد إذ لا تخص العبيد ومن على شكلهم للحضور في هذه الإجتماعات. ثانيا: الديمقراطية غير المباشرة أو النيابية، وهي الديمقراطية المعمول بها في أكثر بلدان العالم. الاعداد الضخمة من المواطنين الذين تتكون منهم الدول تمنع إمكان تجمعهم في مكان واحد. وكذلك لها عيوب كثيرة تقوم على تفاهم الاحزاب والدعاية الانتخابية وتأثير رأس المال وتأثير المؤسسات الصناعية في الحكم، وكذلك حكم الأغلبية أو ما يسمى بدكتاتورية الأغلبية وللخروج من هذا المأزق في بعض المهمات والاختيارات جاءت فكرة الاستفتاء الشعبي. ثالثا: الديمقراطية الشعبية، ديمقراطية العمال والفلاحين وهي أستعملت في البلدان الشرقية فهي لا تحتوي على حريات حقيقية والرأس المالي الحقيقي هي الدولة. سبق أن قلنا إن الديمقراطية هي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، فهل عرف الاسلام هذا النوع من الحكم؟ وهو يتمثل في أمرين الأول ضرورة رجوع الحكام إلى الأمة في الأمور العامة. وهو ما يعرف في الاسلام "بالشورى"، والثاني: رقابة الأمة نفسها على تصرفات الحكومة وعزلها لهم. فالشورى شيء أساسي في الفلسفة الإسلامية إستنادا إلى قوله تعالى "وأمرهم شوري بينهم" "وشاورهم في الأمر". وكذلك حرية الرأي مكفولة في الإسلام، إستنادا لقوله تعالى "وجادلهم بالتي هي أحسن" وكذلك حرية المعتقد الديني الذي نص عليه القرآن الكريم "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". كما أن الاسلام أهتم بالعدل ودعمه: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان". كما إن الاسلام أهتم كذلك بالمساواة بين الناس جميعا إستنادا لقول الرسول (ص): "الناس سواسية كأسنان المشط". كما أن إلاسلام نبه من مواقف الدجالين إستنادا لقول الرسول (ص): "من مدح سلطانا حائرا أو تخفف وتضعضع له طمعا فيه كان قرينه في النار" وهنا لا بد من ذكر قوله عمر رضي الله عنه "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار". فالحرية الفكرية الواسعة التي سمح بها الإسلام في قرونه الأولى كانت وراء التقدم الذي أحرزه العرب والمسلمون في مختلف المجالات من الابداع الى غير ذلك. إن هذه الحضارة ظلت زاهية طالما بقي العرب والمسلمون متمسكين بالحرية الفكرية ان الغرب لم يعترف بهذه المواضيع إلا نهاية القرن الثامن عشر. وانطلاقا من هذا التحليل التاريخي، فكلمة الديمقراطية اليونانية لم تدخل في الاستخدام الواسع في اللغة العربية إلا بعد الحرب العالمية الأولى. فالديمقراطية ليست غربية فهي إنسانية تهم جميع الناس لأنها في الوقت الحاضر الأصلح للانسانية، فهي أنجع النظم والطرق رغم عديد العيوب والانتقادات. ان إنتخاب مجلس تأسيسي ديمقراطي في تونس سيختار أحسن الطرق والنظام البرلماني الذي سيساعد المواطن التونسي على التعبير عن أرائه وأفكاره وإتجاهاته. فلا بدّ من الاهتمام بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة إلى غير ذلك من المواضيع الهامة. إن النضال من أجل الديمقراطية لا ينفصل بأي حال من الاحوال عن النضال من أجل بقية الاهداف الاخرى كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لأن التجربة الانسانية أكدت على أهمية الحرية. إن هذا الطريق يبدأ بالفهم والممارسة الديمقراطية من قبل ادواتها وهي المنظمات والفعاليات، وتعميق الوعي الديمقراطي للوصول إلى الصيغة الديمقراطية التي تمكن الشعب والمواطنين من إستلام مقدارتهم على القرار. إن قضية الديمقراطية ليست قضية مؤسسات فقط، وإنما بالاساس قضية محتوي سياسي وإجتماعي وإقتصادي وإعلامي وقضائي وثقافي وتربوي إلى غير ذلك. فهذه المؤسسات تتكامل عناصرها المختلفة ولا يمكن عزل أحداها عن الأخرى. إن إحترام الانسان وتمكينه من حقه في السلطة هو معيار يحدد مدى التوجه الديمقراطي لأي وضع ومن أجل تثبيت الحريات العامة وإحترامها وتطبيق وممارسة حقوق الإنسان. فلابد من إقرار حرية الرأي والتعبير عن طريق الاعلام أو أي وسيلة أخرى، وحرية الإجتماع أو التظاهر السلمي وحرية التنظيم والحرية النقابية وحق الإضراب إلخ.. كما لا بدّ من حماية حقوق الانسان وتطبيقها وممارستها في نظام قضائي مستقل فالإسلام قد تحدّث في هذه المواضيع بصفة عامة وسابقا ومن زمان بعيد. فالإسلام كان دائما نصير الكادحين والمستضعفين حسب الثقافة الاسلامية وما خاب من استشار، ومن استبد برأيه هلك. واتم هذا المقال عن الديمقراطية والإسلام بقولة أبو بكر الصديق رضى الله عنه في أول خطبة: "وإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم وإذ أحسنت فأعينوني وإذا أسأت فقومّوني" فالإسلام يقدّم الاتجاه العام ولا يدخل في التفاصيل يبقى للزمان والمكان وعادات المجتمع تقديم التفاصيل. والإسلام يراعي الظروف والأحوال. باحث مقيم في باريس