الموقــع والموقــف
Assabah - 2012-05-17Lu 314 fois
بقلم: وديع بن ابراهيم - يقول محمد عابد الجابري ـ رحمه الله ـ : االتفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتهاب ويزيد الأمر توضيحا في موطن آخر بالقول: اوإذن، فالتفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، و في مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي و النظرة إلى المستقبل، بل و النظرة إلى العالم، إلى الكون و الإنسان، كما تحددها مكونات تلك الثقافةب.(انظر اتكوين العقل العربيب ص 13. المركز الثقافي القومي ـ 1987 ) هذا القول يحدد موقعين و طريقتين في التعامل مع الثقافة العربية: التفكير داخل الثقافة العربية بواسطتها وبشروطها، أو التفكير في قضايا هذه الثقافة من خارجها و بشروط ثقافة أخرى. هذا التمييز يفترض التسليم بخصوصية الثقافة العربية وبمنظومتها المرجعية المخصوصة وبمكوناتها التي بها تشكلت و عليها تأسست. ويفترض أيضا الفصل بين مشروعين: مشروع قومي ينهض على نقد الثقافة العربية والنظر في قضاياها ـ من الداخل ـ هدفه النهوض بهذه الثقافة، وإكسابها القدرة على التجدد والتفاعل مع الحاجات الفكرية والثقافية التي تتصل بتاريخنا الراهن. ومشروع ثان يسعى إلى تقويض أسس هذه الثقافة انطلاقا من منظومة مرجعية مختلفة اعقلانية حداثية نقدية؟؟ب... المسألة في أدنى مستوياتها تطرح مشكلة الانتماء،بما هو شرط لتحديد الموقع الذي يعطي لكل مشروع نقدي معناه، وتتحدد انطلاقا منه المواقف والرؤى و التصورات. وإذا انعدم شرط الانتماء، فإن المسألة ستكون مجرد موضوع أكاديمي، معرفي لا سياق له ولا غاية ،إلا التشريع للشخصنة الجوفاء والزعامة المعرفية البائسة، بل إن الأمر قد يتجاوز ذلك إلى أحكام قيمية استعلائية لها صلة ونسب بالمركزية الأوروبية وبمنظومتها المعرفية التي تحكم بها على بقية الثقافات بالجهل والتخلف والانغلاق. إن الموروث الثقافي هو رأسمال رمزي جماعي لا يحق لأحد أن يدعي امتلاكه، أو الخوض في مسائله بحثا عن النجومية والشخصنة، أو السعي إلى احتكار معناه و غلق آفاقه التي تتسع للاختلاف والتأويل. وعلى هذا الأساس فإن الحديث عن انقد الفكر الدينيب لا يفهم إلا ضمن مشروع نقدي ـ يفكر في قضايا الثقافة العربية بشروطها وبواسطتها ـ غايته تجديد هذا الفكر، وربطه بحاجاتنا المعرفية الراهنة، وهذا الأمر يستتبع بالضرورة إخراج هذا المشروع من دائرة النوازع الذاتية و أهواء االمفكرب في هذه المسائل، والنأي به عن المتاجرة وتحقيق المنافع، وفصله وإلى الأبد عن الدوائر المشبوهة التي تتقنع بقناع العقلانية و الحداثة، ولكنها في حقيقتها مصانع تساهم مساهمة فعالة في إنتاج وترويج بضاعة اسمها الاسلاموفوبيا.(من حق البروفسور أن يتحدث ـ بخطاب استعلائي ـ عن الجهل المقدس أو المكرس كما من حقه أيضا أن يتحدث عن اسلاموفوبيا داخلية، وتصديقا لقوله، أسوق هذا الدليل: فأمي المسنة التي لم تنقطع يوما عن أداء واجباتها الدينية، إذا سمعت كلمة الإسلام أصابها الرعب و الخوف؟؟) إخراج نقد الموروث، ونقد الفكر الديني من هذه الدوائر، هو تحريره من الفرضيات الذهنية المجردة (التي تنمو و تكبر في أذهان بعض االمفكرينب ثم تتلاشى و تفنى)، وربطه بالمشروع الثقافي، الذي هو في جوهره إجابة عن إشكالات ثقافية ودينية يطرحها المجتمع في صيرورته، ووفق حاجاته المعرفية و الثقافية، وضمن ثوابته ومقدساته التي لم يضعها يوما موضع الشك. وهذا المشروع الثقافي ينبغي أن يكون مبنيا على رؤية استراتيجية لها مقصد وهدف: هو مشروع رمزي استثماري ضخم جماعي لا فردي، ويندرج ضمن الإيمان بالخصوصية الثقافية، والتعامل مع الموروث تعاملا نقديا لا تقويضيا، والنظر إليه من زاوية كونه رأسمالا رمزيا يمكن استثماره في بناء المستقبل، وفي تجديد فاعليتنا الحضارية والمعرفية. ولما كان هذا المشروع جماعيا، وجب ألا يكون مقصورا على فرد أو فئة أو فرقة بحث توجهها رؤية، وتتحكم في منطلقاتها ونتائجها مسلمات وأحكام، تجعلها الا تهتم إلا بما تريد كشفه أو البرهنة عليهب. هذا المشروع تنجزه كفاءات فكرية متجذرة في ثقافتها ومؤمنة بقدرة هذه الأمة على النهوض والتطور، في أطر ومراكز دراسات محكومة بتصورات واستراتيجيات ، ومستجيبة منطقا وضرورة إلى حاجات معرفية حقيقية لا إلى فرضيات ذهنية وهمية. إن المشروع الثقافي هو مشروع تأسيسي، من رحمه تتخلق بقية المشاريع المتصلة بالتربية والتعليم و بالبحث العلمي (بات من المتأكد أن نطرح مسألة البحث في الإنسانيات والحضارة وغيرها: ما هو الأفق الذي تنفتح عليه وما هو التصور الجامع المتحكم فيها، والجدوى المعرفية المستفادة منها؟؟)، وكذلك بالثقافة إبداعا وإنتاجا وأفقا. من حق من اختار أن يفكر في قضايا الثقافة العربية و من خارجها، أن يفكر وينتج. ومن حقه أيضا أن يتشبث بفرضياته الذهنية، ومن حقه أيضا أن يطرح ما شاء من الإشكاليات، ولكن عليه فقط أن يكشف موقعه: فمن لا موقع له لا موقف له، قياسا على قول الراحل الكبير محمود درويش افمن لا بحر له لا بر لهب. أستاذ مبرّز في العربية