الدين دين الله وليس دين النهضة
Assabah - 2012-05-19Lu 355 fois
هل يهمك من قريب أم من بعيد أني منحت صوتي لحركة النهضة أم لحزب سياسي آخر أم لإحدى القائمات المستقلة؟ ذاك هو شأني وأمر يعنيني بالدرجة الأولى وتلك هي لحظة الاختيار والحرية لا ينازعني فيها أحد وذك فقط ما غنمناه إلى يوم الناس هذا رغم ما قدمناه من مئات الشهداء والجرحى وما عاناه أبناء تونس من عذاب السجون ومصادرة للرأي وتكميم للأفواه. ولكن في بلادنا ما يزعجنا اليوم و يبعث بحق على الأرق والتاريخ لن يرحمنا وسيحاسبنا حسابا عسيرا إن سكتنا عنه وتركنا الحبل على الغارب . لماذا ؟ لأن عواقبه وخيمة وهو كالداء إذا استفحل يصبح من الصعب استئصاله وعندها نقول هيهات هيهات إن الأوان فات سبق السيف العذل- ولا ينفع العقار فيما أفسده الدهر وغيرها من صور الندم والتحسر . أتدرون ما يحصل في بلادنا في هذه الأيام و بعد سنة ونصف من قيام الثورة ؟ لقد ولّى زمن دكتاتورية الرجل لتتولى سلطة الدين المقدسة التي لا يجوز لأحد كبر شأنه أم صغر أن يتجرأ على ذكر هناتها فلها العصمة ولها خطوط حمراء لا يحق لأحد أن يقترب منها . ولكن وحتى نعطى لكل ذي حق حقه و ما لله لله و ما لقيصر لقيصر فإن دين الله براء من سلطة الدين المقدسة التي تروم تقييد المجتمع وتطمح لتسوس باسمه و تكسب الشرعية المطلقة بفضله وتوهم السواد الأعظم بأن ذلك من قبل تقدير العزيز الحكيم فدين الله الذي أنزل الكتب و بعث الرّسل دين أبوابه مفتوحة لمن شاؤوا أن يدخلوا فيه أفواجا أو أن يعرضوا عنه أو يخرجوا منه كذلك أفواجا و له تشريعاته وأحكامه ولكن ما لمسناه اليوم و به بلادنا سيزلزل زلزالها ويعود بنا إلى الوراء هو التسلط على المجتمع و ذلك باحتواء الدين للدولة كما وقع في أوروبا في القرون الخالية فصال رجل الكنسية و جالوا و حلّلوا و حرّموا وعربدوا و أزبدوا باسم التفويض الإلهي فهم خليفة الله فوق الأرض. اليوم في بلادي الكثير ممن ارتضى بالإسلام دينا وطبّق قواعده من صوم و صلاة وزكاة لا يستقيم حسب رأيه إسلامه ولا يكتب له النجاح في الدنيا و الآخرة خاصة ولا يفوز برضاء الله إذا نبس ببنت شفة انتقادا أو لوما للحكومة المؤقتة و للنهضة بالتحديد: فكم تعجبنا واستغربنا في الأيام الأخيرة حينما سمعنا هؤلاء رغم ما بهم من خصاصة و قلة ذات اليد يدافعون عن غلاء المعيشة ويحاولون قدر المستطاع أن يجدوا له مبررا. كما نما إلى علمنا غضب هؤلاء من كل من يتحدث عن تلكؤ الحكومة في القيام بواجبها و خاصة في المسائل الأمنية والتنمية الجهوية وضرورة التدخل في الشؤون اليومية والحياتية و يدخلون في جدال عنيف قد يصل إلى خصام شديد وسباب و شتم إن لزم الأمر لكل من تسول له نفسه الإشارة إلى مساوئ حكومة النهضة ويعتبرون ذلك خروجا عن الملة و الدين. لقد تفشى في عقول عوام النّاس أن كل من لا يبارك عمل حكومة النهضة إيمانه مزعزع و لا ينصر دين الله بحق. لقد أعمى بصائرهم ولاءهم المطلق لحركة النهضة حتى تحول في نظرهم من يطالب بأبسط حقوقه كمده بالماء الصالح للشراب وتوفير مركز استشفاء بجهته ووسائل نقل عمومية تضمن له التحول لعمله ولأبنائه إلى مدارسهم و كلياتهم أنه يعجز الحكومة ويكيد لها كيدا وفي قلبه مرض والأخطر من ذلك أن المطالب التي كانت عندهم مشروعة قبل إنتخابات 23 /10/ 2011 وتحقيقها هدف من أهداف الثورة أصبحت اليوم عندهم المناداة بها ضربا من الخيانة ومن يرفعها ويعمل على بلوغها ليس من الوطنية في شيء ، و ما يجب أن يكون هو أن يصبح الشعب التونسي كله على قلب رجل واحد يهتف : لتحيا حكومة النهضة لتحيا حكومة النهضة، ولا نقاش ولاجدال أن الحكومة الحالية تسير على صواب وأمور البلاد تسير أيضا على أحسن ما يرام فالجهات كلها بخير فيها جنات عالية لا تسمع فيها لاغيه ووجوه التونسيين ناضرة إلى مسؤولي حكومتهم ناظرة. باستثناء التلفزة الوطنية التي منحت لها فرصة الاصطفاف و تقديم شريط الأنباء على القياس وإلا مصيرها «آخر الطب الكي» يعني بيعها بالمزاد العلني. إنّنا نقول لهؤلاء إنّ الدين هو دين الله و ليس دين النهضة كما نقول لهؤلاء حتى وإن اشتبهت عليكم الأمور ولم يعد بإمكانكم أن تفرقوا بين حاكم الدنيا وحاكم الآخرة وأبيتم إلا أن تبايعوا كلّ من كلمكم باسم الدين وتركتم له المجال كي يقرر مصيركم ويسطر سبل حياتكم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسألون عن كل كبيرة وصغيرة و يأخذون بزمام الأمور ويقرّرون ما يجب أن يكون أو لا يكون بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلّم في غياب الوحي. بقلم: مصدّق الشريف كاتب