آن الأوان لبدء حوار العقلاء
Assabah - 2012-05-20Lu 304 fois
بقلم: نور الدين العلوي - الثورة أنهت الإقصاء وهذه أولى نتائجها.منها ننطلق للمطالبة بصوت صريح ببدء حوار عقلاني حول المستقبل المشترك لكل التونسيين. موسعين طموحنا إلى تحمل المسؤولية الأخلاقية أمام العرب عامة ودول الربيع العربي خاصة في تهيئة مسودات دولة مدنية بعلامة تونسية. وننطلق في مطالبتنا بالحوار معتمدين على إيمان حقيقي بوجود هؤلاء العقلاء رغم ارتفاع الضجة من حولهم وضياع أصواتهم المفردة ككل صوت يتكلم ليقنع. ونرى أن استحقاقات الأول من ماي 2012 تستدعي انطلاق هذا الحوار بين الصفين.الصف العقلاني في السلطة والصف العقلاني في المجتمع المدني. لقد رد المجلس التأسيسي على مسيرة الأول من ماي بأن حدد تاريخا دقيقا لإنهاء كتابة الدستور ثم تاريخا دقيقا لإجراء الانتخابات التشريعية المؤدية -إذا تمت- إلى وضع عمل الدولة إلى مساره لكن على أساس من التعددية والعمل المؤسساتي الذي يقطع من الزبونية والاستزلام. أي دولة المؤسسات كما نتمناها وكما يتعين عليها أن تكون إخلاصا لدماء من استشهد ومن تعذب. في الطريق إليها نعرف أن هناك حفرا ومطبات كثيرة ومتربصين من الخاسرين بالداخل والخارج، على المخلصين التنبه لها ولهم لإنفاذ مسار التأسيس إلى مداه. لكن من يحاور من وحول ماذا؟ تقتضي مرحلة تمهيد الاستقرار البدء الفوري في حوار عقلاني بين مكونات المجتمع والدولة. حوار يستهدف وضع بدائل عبقرية للجمهورية الثانية تقطع مع كل أشكال الإقصاء السياسي والفكري لكل مكونات المشهد.بكتله الوسطية الواسعة وتوجهاته القصووية إذا تنازلت للحوار . حوار يصدر عن قناعة مشتركة بأن زمن إرسال الخصوم وراء الشمس قد ولى إلى غير رجعة.لا لان هناك توازن رعب قد نشأ محليا أو دوليا. بل لان مسارات الإقصاء خاصة تلك التي تستقوي بطرف خارجي قد أدت إلى فواجع سياسية أخلاقية وإنسانية طيلة نصف قرن من الدولة التونسية.ولقد حل أوان القطع بشجاعة مع تسويق العمالة والخيانة والنفور من الشريك الوطني من أجل ترضية العدو. والتعايش الآن ليس رفاها إنه ضرورة وطنية. حوار للتعايش الأبدي داخل الوطن الواحد بين مكونات متنافرة ومختلفة لكنها محتاجة إلى التعايش حاجتها إلى الوطن نفسه. سيكون حوارا عسيرا جارحا ومؤلما لكنه ضروري بل هو جزء أساسي من الثورة التي حصلت ويجب أن تكتمل سيكون حوارا موجعا للذات لأنه يقتضي أولا أن يجريه كل طرف مع ذاته ليراجع مسلماته الفكرية وخططه الإستراتيجية والتكتيكية في الفعل الثقافي والسياسي لما بعد الثورة التي أنهت الإقصاء. انه حوار القطع مع الفكر التمامي اليساري واليميني والنزول عن ظاهرة الفرقة الناجية لاقتسام الخطيئة مع البقية لاكتشاف الصواب الجماعي. انه باختصار حوار تأسيس الديمقراطية حزبيا و تونسيا ثم عربيا.حوار يطول الأفكار والمشاريع الثقافية البعيدة المدى والسياسيات العامة والمحلية بكل تفصيلاتها لذلك فهو حوار مع النخب المفكرة ومع النخب التكنوقراطية. تقع المسؤولية في إطلاق هذا الحوار والحرص على استمراره ونجاحه على الطرف الأقوى في الساحة أي حزب الأغلبية.وشركاؤه في إدارة المرحلة والتي تشير ملاحظات كثيرة إلى أنهم طرف متماسك ويعمل في طريق مفتوح للبقاء في السلطة. و يكون بدء الحوار بإطلاق إشارات ومبادرات لحوار عقلاني على أساس المسلمات الوطنية التي توضع الآن كقاعدة للدستور الجديد بعد أن ترسخت في الوعي الجمعي طيلة سنين الجمر. وأولها أن السلطة ليست غنيمة أبدية. أول هذه الإشارات ضبط يمين الحزب الحاكم أو رافده السلفي وإلزامه علنا بقواعد العمل القانوني وإنهاء خطاب التكفير بجر هذا التيار إلى حوار علني وردع ميولاته العنفية بمقتضى القانون. ونعتبر افتتاح دروس الجامع الأعظم وفتح الحوار الإسلامي الإسلامي محليا خطوة في هذا الاتجاه.كما نعتبر تقنين حزب سلفي خطوة ذات دلالة إذ تلزم أصحابها بقانون وضعي ينظم الحياة العامة خارج عقل الفرقة الناجية.لقد طلب التيار السلفي منا أن «نسمع منه لا أن نسمع عنه» وها نحن في الاستماع إليه و في انتظار تطوره إلى حزب مدني. الطرف الثاني في الحوار هو كتلة واسعة من المثقفين وأهل الفن وخبراء القانون والإدارة وأهل التقنية ورأس المال. المؤمنين بمدنية الدولة و الحريصين على مجالات حريتهم الخاصة المكتسبة من تكوينهم وتجربتهم الاجتماعية على حافة الغرب الثقافي وهؤلاء في غالبهم لا يصدرون في تحديد ولاءاتهم ومواقفهم عن موقف إقصائي ولا يوالون بالتحزب بقدر ما يلوذون بالوازع الوطني. وهذه الفئة في تقديري آخذة في الاتساع منذ الثورة نتيجة عوامل كثيرة منها حريتهم المستعادة في التعبير والحركة والانتظام المدني في جمعيات ومنتديات وكذلك لخيبتهم من الأحزاب خاصة ومن الانتظام الإيديولوجي عامة. فزعم التقدمية عند البعض كما زعم التدين عند آخرين لا يغريهم بقدر ما يغريهم ويشدهم الوازع الوطني في مسار تحقيق رهاناتهم الشخصية غير المتناقضة مع رهانات الوطن. هذه النخبة بقدر طموحها إلى المشاركة فإنها تعيش خذلانا من الجماعات السياسية المتكلسة والمنغلقة على ولاء أفرادها. وعلى موت زعاماتها السياسية رمزيا وأخلاقيا وعجزها الفعلي عن التطور في أحزابها وفي أفكارها. وهذه الفئة من النخب الوطنية رغم كثرتها فإنها الآن في وضع تنظيمي لا يسمح لها بإسماع صوتها رغم أعشاش الجمعيات والمؤسسات ذات الصلة وقد تفضل التلاشي على الانتظام. هؤلاء شركاء في الوطن وفي إدارة الدولة من مواقعهم في كل مراحل بنائها وهم قوة اقتراح حقيقية بفعل مكتسباتهم التقنية وطموحاتهم إلى الرقي الذاتي والمشاركة الفعالة. سيكون من الخير العميم للثورة وللوطن أن يفتح الحوار مع هذه الفئات على شكل منتديات ومتلقيات وجامعات صيفية مفتوحة. أن مسار الثورات يخلف وراءه العجزة ورافضي الحوار والمسارعين للغنيمة. لم يكشف النقاش في التأسيسي حول الميزانية التكميلية نقاشا في البدائل والمشاريع والتوجهات بقدر ما كشف المناكفات ووقع في سخافات طفولية أخجلت رئيسه. لأنها انطلقت في جوهرها من الفكر الإقصائي نفسه المشغول أصلا بإفشال من في السلطة للحلول محله دون الانشغال بحاجة الشعب الحقيقية إلى بلورة مشروع دولة متقدمة تهتم بالإنسان حيث هو قبل إن ترضي النخب السياسية التي تعيش من السياسة وبها.وهو نموذج الحوار الذي نقترح تجاوزه والقطع معه ومع رموزه ووسائله. لتهيئة ظروف الحوار وشروط نجاحه يجب أن يتوقف الحزب الحاكم عن التصرف تحت تأثير مشاغله القديمة ورعب السجون والتصفية والمنافي وأن لا يفكر كماكينة غريزية لحفظ البقاء. فمنه بصفته حزبا قائما وحاكما وفاعلا ويقترح، أن يبادر إلى إطلاق إشارات الانفتاح والحوار مع جميع المكونات وليكن على يقين من قدراته ومن ثقة الناس في الجدية والوطنية سيلتحق الوطنيون بالحوار في مواضعه المختلفة لبدء تأسيس الدولة المدنية بغير حزب واحد بل بنخب فعالة من التكنوقراط والمثقفين غير المشغولين بسلامة الايدولوجيا قبل سلامة الوطن. يمكن لانتخابات بلدية على أساس كفاءات متنوعة داخل قائمة واحدة (حزبية وغير حزبية) أن تفتح الباب للنخب لتشارك وتثبت قدراتها خارج الأحزاب. في الأثناء يجب على المؤسسة الإعلامية الوطنية أن تخرج من كمينها للحزب الحاكم وتكف عن التظاهر بالحياد الذي لا ينطلي إنها مؤسسة عمومية يمكن للشعب أن يدير من خلالها حواراته البناءة. جامعي وروائي