ماذا ربح المشروع الإسلامي من الثورات العربية؟
Assabah - 2012-05-22Lu 367 fois
بقلم : الأستاذ محمد الحبيب الأسود* عندما نتحدث عن المشروع الإسلامي لا نعني التطبيقات الحرفية للشريعة وللحدود، وإنما نعني تلك الرؤى التي تندرج في إطار الإسلام السياسي الذي أعطى مفهوما شموليا للانتماء إلى الإسلام، انتماء عقائدي يتناول الإيمان والتوحيد والعبادات، وانتماء سياسي يتناول الحكم في فضاءاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وانتماء حضاري يعطي مفهوما مطلقا وعالميا لمصطلح الوطنية حيث لا حدود ولا موانع جغرافية تفصل بين أراض وشعوب فتحت للإسلام أبوابها واستعرب القرآن لسانها، ويجعل من قضاياهم وهمومهم في هذا الوطن الكبير، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، همّا مشتركا ومركزيا في مشاغل العرب والمسلمين، وعلى هذا عاشت الحركات الإسلامية دهرا من الزمن تناضل وتحلم بوحدة شعوب لا إله إلا الله وإعادة تفعيل مفهوم الأمة بأمجاد الزمن الغابر، يوم عوْلم المسلمون العالم، وابتكروا العلوم وصنفوها، وصنعوا الحضارة في دمشق وبغداد واسطنبول وقرطبة وغرناطة... ونقلوا إلى أوروبا علوم وفلسفات وثقافات الحضارات الشرقية... كان هذا ديْدن الإسلاميين ومشربهم وحلمهم الكبير، خاصة منهم أبناء المدرسة الإخوانية، إلى حد هبوب ما اصُطلح عليه برياح الربيع العربي، فاهتزت الأرض في تونس ومصر وليبيا، ولم يكن الإسلاميون على هامش الأحداث في هذه الثورات، كما أنهم لم يكونوا روّادها ولا صانعيها بقدر ما ساهموا في تراكماتها بزخم نضالهم ومعاناتهم لسنوات عديدة من التعذيب والقتل والسجن والنفي، وفجأة وجد هؤلاء الناس ممن حملوا همّ المشروع الإسلامي أنفسهم أمام تغيير جذري في بلدان داخلة بالفعل والقوة والضرورة تحت نفوذ التحالف الغربي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت إلى زمن قريب منعوتة عند الإسلاميين بالطاغوت والاستكبار والشيطان الأكبر، ولطالما هدّدوها بتقويض قوتها وحضارتها ومحو حليفها المدلل الكيان الصهيوني من الجغرافيا والتاريخ، وفي كل محطة نكبة، من وعد بلفور وقيام دولة إسرائيل، إلى غزو أفغانستان والعراق وتهديد إيران وتقسيم السودان، وإلى كل الانتهاكات التي يرتكبها الأمريكان ضد الأوطان والأعراض والدين، يتنامى الحقد المقدّس عند الإسلاميين ضد أمريكا وحلفائها... ولكن بفعل الدورة التاريخية التي دفنت إيديولوجيا القومية العربية في الحرب الأهليّة بلبنان بمعاول الطوائف الدينية، وأسقطت الشيوعية العالمية بإنهاء دكتاتورية البروليتاريا وانهيار الإتحاد السوفياتي، كان لزاما على شعوب الربيع العربي أن تختار بحرية الحركة السياسية التي لم تأخذ حظها في الحكم لتضعها على محك السلطة والنفوذ، فوجدت حركات الإسلام السياسي نفسها أمام اختيار الشعب لتشارك في حكم بلدان داخلة بجغرافيا السياسة تحت نفوذ العولمة الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الجديد، بمعادلة صعبة تحتّم على الإسلاميين تحقيق الكرامة والنماء لشعوبهم مع حرية واستقلالية القرار، تحت رقابة أمريكا شرطي العالم الذي لن يدع هذه الحركات تمرّ إلى السلطة بدون إقرارها بنظام اقتصاد السوق، ودخولها في المنظومة الأمنية الأطلسية التي من إستراتيجيتها الحفاظ على أمن إسرائيل واستمرار تفوقها العسكري... هكذا وجد الإسلاميون أنفسهم وجها لوجه مع عدوّهم التاريخي وشرطي العالم، ليتخذوه حليفا بالجبر أو بالاختيار، حيث لا خيار لمن دخل بوابة السلطة في بلدان الربيع العربي أمام قوة الغرب العسكرية بقيادة أمريكا، ونفوذه الاقتصادي والمالي على مؤسّسات المال والأعمال في العالم، وهيمنته السياسية على إرادة أغلب حكام الأرض، إلا أن يقدّم فروض الطاعة والولاء، ويعطي الضمانات اللازمة لاحترام قواعد النظام العالمي الجديد الذي يرتكز أساسه على التجارة العالمية بنظام اقتصاد السوق المتنفذة فيه المصارف الغربية، وعلى المنظومة الأمنية الأطلسية... الإسلاميون يريدون من خلال برنامج مشاركتهم في حكم بلدانهم القطع مع أنظمة الاستبداد وتحقيق النماء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي لشعوبهم، والأمريكان ومن حالفهم وسار في ركابهم يهدفون من وراء تزكيتهم لولوج الإسلاميين إلى السلطة استثمار الإسلام السياسي بنسخته الجديدة لإتمام تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد،وتمييع وإفشال الإسلام السياسي التحرّري ذا البعد الثقافي والحضاري الوحدوي المناهض لهيمنة الغرب وغلبة اليهود على المسلمين... فما وصول الإسلاميين إلى السلطة عند هؤلاء إلا بداية لأفول نجمهم وفتور وهج إشعاعهم في اتجاه لفظهم جماهيريا، حين يتأكد للعامة عدم قدرتهم على الحفاظ على نقاوة المشروع الإسلامي بما يعنيه من استقلالية وعزة وكرامة ونديّة تجاه الأمم المتقدمة الأخرى، وحين تعجز هذه الحكومات المنسوبة بالأغلبية للإسلاميين عن انجاز برامجها الانتخابية، فتسقط في مخالب المديونية، ويحيط بها الإفلاس، وتتهاوى تحت الشعارات، ويُرتهن قرارها السّيادي لدي القوى العظمى التي بيدها خيوط اللعبة الاقتصادية والسياسية والأمنية في العالم، فيكيد الأمريكان عندها كيدهم لتغيير الصور، وجعل لكل مبتدأ خبر... ماذا سيكسب المشروع الإسلامي من الثورات العربية، حين تصل شخوص إسلامية إلى الحكم ولا يصل المشروع إلى الناس، وحين يسقط المشروع أمام الضغوطات والتنازلات ولعبة المصالح فوق الكراسي، وحين يتعلل أصحاب المشروع بالتدرّج والمرحلية لحكمة ملهمة، فيفقد المشروع في كل درج موقفا وفي كل مرحلة موقعا؟... لقد كان المشروع الإسلامي ضاغطا وأصحابه في المعارضة، وكان للإسلاميين موقف مشرف وهم في السجون وفي المنافي، ولمّا ربحوا موقعا في السلطة صار موقفهم ضعيفا رغم شعبيتهم، وأمسوا في تيّار التجاذب بين قوى داخلية وخارجية تريد منهم التنازل تلو التنازل، فلم يتمالكوا أمرهم وارتبكوا وأغدقوا التنازلات بسخاء، وكأنهم اقتنعوا بكفاية وصول ذواتهم إلى الحكم دون المشروع حلم الإسلاميين ومطلبهم منذ عقود من السنين... فأي المواقع أفضل للإسلام السياسي، السلطة بأشخاص يعملون تحت رقابة شرطي يعدّل مسار سياستهم كلما انحرفت عن منظومته الأمنية ونظامه العام، أم المعارضة وحفظ الثوابت وحفظ ماء الوجه، واستمرار الضغط على الحكومات لتحقيق مزيد من الحريات، والعمل أفقيا في صفوف الجماهير لإحداث النقلة النوعية في الوضع الثقافي والحضاري، نحو إثبات الهوية والذات السيادية المعتزة بدينها ووطنها وعدم انحيازها لغير مصالح الأمة؟... لقد قامت ثورات الربيع العربي في بلدان نسبة الأميّة فيها مرتفعة قياسا بإسرائيل والدول المشابهة لنا في عدد السكان ومعدل الناتج القومي الخام، وفيها التعليم والبحث العلمي يحتلان مرتبة عالمية مخجلة، واقتصادها يعتمد على المعونات وعلى مديونية مرتفعة قياسا بمقدرات الشعب وثرواته وقدرته على السداد... فكيف لهذه الثورات التي لم تصحبها ثورة اقتصادية وتطور في الآلة العسكرية أن تكون في منأى عن تجاذبات ومصالح قوى التحالف الغربي الصهيوني؟ فهل قيادات الحركات الإسلامية على وعي بهذا، فاختاروا الهروب إلى الأمام، أم أن للسلطة مذاقا وأحكاما ومغريات فاعلة إلى حد تغيير التحالفات والتضحية بالمبادئ والثوابت؟ ناشط سياسي مستقل