لو كنت مكان النهضة... (2/1)
Assabah - 2012-05-22Lu 329 fois
بقلم:د.يوسف النابلي* كنت قد بيّنت في مقالاتي السابقة حتمية إتباع مفهوم مثالي للسياسة حيث أنّ الغاية والوسيلة تلتقيان في الشفافية والمبادئ العامّة للأخلاق لتعطي دفْعًا وإشعاعا لكرامة و حرية الإنسان و للبرامج الاقتصاديّة والاجتماعيّة وكلّ ما من شأنه أن يخدم ويسعد البلاد والعباد. إتباع هذا المفهوم من كل الناشطين السياسيّين ينجرّ عنه السير على الخطوط العريضة والعامّة التالية : الصّدق تجاه الشعب والشجاعة الأدبيّة، الموضوعيّة والتفكير البناء، وأخيرا إعطاء الشاب التونسي أكثر شأنا وتمثيلا ودورا في الساحة السياسيّة. سأبدأ بتناول الخطوط الخاصّة بالنهضة لأنّها هي التي تمسك بدواليب ومقاليد الحكم والسلطة وبالتالي هي التي تتحمّل أكبر نسبة من المسؤوليّة في إنجاح المسار الديمقراطي و تحقيق أهداف الثورة بعد أن تناولت أسباب تشبثها بالسلطة و الانفراد بها. لو كنت مكان النهضة لاتبعت مسارا يمكن تلخيصه بالفصول الثلاثة التالية: 1. الصدق تجاه الشعب والشجاعة الأدبيّة: الاعتراف بالخطأ الجسيم والمتمثّل خاصّة في السعي لإنتاج دكتاتورية والاعتذار لكافة الشعب التونسي. كان علينا التعريف بمعنى حزب مدني مرجعيّته الإسلام والسير على ذلك التعريف. الحزب المدني يعني قبل كلّ شيء أنّ أعضاءه هم رجال سياسة وليسوا رجال دين. المرجعية الإسلاميّة تقتضي لنا كرجال سياسة أن نكتفي، فيما يخصّ علاقة الدّين الإسلامي بالسياسة، بإعطاء المثل في تطبيق أخلاق الإسلام في سلوكنا السياسي والدعوة إلى الخير وإلى قيم الأخلاق والمحبّة والتسامح والاعتدال والوسطية وعدم الغلو في الدّين من خلال إعطاء الفرصة والإمكانيات للأيمّة والفقهاء وعلماء الدّين النيّرين منهم حتى يقوموا بدورهم في الموعظة الحسنة (بدون إكراه) وفي فتح حوار مع كلّ متديّن متعصب وجاهل بقيم ديننا الحنيف ليقع تأطيره واندماجه في بناء مجتمع راق متقدّم علميا وأخلاقيا وحضاريا (وليس «تجييشه» لمحاربة العلماني الذي لم يستسغ فوز حزب النهضة). 2. الموضوعية والتفكير البناء : السّعي إلى تحقيق أهداف الثورة (الديمقراطية والشغل) وخدمة البلاد والعباد من خلال الوفاق بدون تهميش الناشطين السياسيين والهيمنة على مؤسسات الدّولة. تكريس أسس الديمقراطية، قولا وفعلا وسلوكا، يتطلّب أولا وبالذات التوازن بين السلط الأربع، واستقلالية السلط عن بعضها مع مراقبة كلّ سلطة على الأخرى حتى لا يقع الانحراف. النظام البرلماني (في الحالة التونسية خاصّة) لا يستطيع تحقيق توازن بين السلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة بما أنّ الحكومة تنبثق من البرلمان. أكثر من ذلك هذا النظام يؤدّي إلى الاستحواذ على سلطتي التنفيذي والتشريعي. كذلك هذا النظام لا يمكّن البرلمان أن يراقب عمل الحكومة المنبثقة منه، التجربة الحالية ّ تدل على ذلك : المجلس التأسيسي لم يقم بدور المراقب الفعلي والجدّي لعمل الحكومة التي تسعى لإنتاج الدكتاتوريّة. كيف لها ذلك و قادة الحزب الفائز في الانتخابات هم الذين يتبوأون مناصب السلطة التنفيذيّة ليتفرّغ بقيّة الأعضاء الفائزين للدور التشريعي و التأسيسي. كيف لعضو أن يراقب ويعطي لائحة لوم لقادته، خاصّة أنّ حزب النهضة هو المهيمن على الساحة السياسية نظرا لأسبقيّته على الأحزاب الأخرى ( للخلط الحاصل بين حزبها والدين الإسلامي)؟! إذن لو كنت مكان النهضة لاقترحت النظام الرئاسي المعدل أو النظام المختلط بدون مناورة لأنّه يحقّق المراقبة والتوازن بين السلط ولسهرت على تكريس استقلالية القضاء والإعلام منذ أن توليت مقاليد الحكم. فيما يخصّ الهدف الثاني للثورة، لعملت على إجراءات استثنائيّة حتى يتسنّى لكلّ باعث استثماري استوفى دراسة مشروعه أن يبدأ في الإنجاز في أجل لا يتعدّى الشهر. أنا لا أفهم كيف لمشروع بقيمة وحجم « village éco-solaire Zarzis-Djerba » المقدر أن يخلق حوالي 4000 مواطن شغل، بعد أن استكمل كلّ الإجراءات الإدارية منذ سنة 2011 وبعد أن قدّم الدراسة المطلوبة من الحكومة الجديدة منذ جانفي 2012، مازال ينتظر الموافقة النهائية للإنجاز ؟! أخيرا لو كنت مكان النهضة لسعيت إلى عقد اجتماعي وسياسي مع الفاعلين في السياسة يجرّم فيه كلّ من سعى إلى عرقلة العجلة الاقتصادية من جهة والتزام الحكومة في التسريع (مع ضبط المدّة) في الإجراءات اللاّزمة التي تكرّس الديمقراطية وتقضي على الاستبداد من جهة أخرى. 3. إعطاء الشاب التونسي أكثر شأنا وتمثيلا ودورا في كلّ المجالات. فيما يخصّ المجال السياسي لعملت على تطعيم الحزب بشبان لم يتسنّ لهم النضال من جهة وإبعاد كلّ نهضاوي مناضل له نزعة بالتشبّث بالسلطة لعقد طويل عن دور القيادة من جهة أخرى لمنح الحزب دما جديدا وطاقة أكبر وتصورا يتماشى أكثر مع العصر ومع الديمقراطية. فيما يخصّ تعيين المسؤولين في القطاعات الحساسة لعملت بمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب عوض مبدأ الولاءات الحزبيّة، فالمهمّ هو خدمة وإسعاد شعبي. خلاصة القول، لو كنت مكان النهضة، لجعلت ممارستي الفعليّة في المجال السياسي مطابقة تماما لخطاب الأستاذ راشد الغنوشي مع استثناء وحيد يتمثّل في النظام البرلماني الذي هو بالأساس نظام استبدادي. القراءة الأوّلية لهذا المقال تعطي انطباعا أني كنت قاس مع أداء الحكومة ولكن الذي يمعن النظر يمكن أن يستنتج أنّي كنت صريحا جدّا مع حزب النهضة لمصلحة البلاد والعباد أوّلا وبالذات وكذلك أيضا لمصلحة النهضة خاصة بتفسيري لظاهرة الاستبداد و تعارضها مع قيم الإسلام الذي يزيد الديمقراطية إشعاعا و نجاعة. دكتور في التصرّف