جريمة أخلاقية.. ومن مشمولات القضاء أيضا

Assabah - 2012-05-23
Lu 318 fois

هناك قصيدة مؤثرة جدا من الأدب الشعبي الروسي، تذكرتها في الآونة الأخيرة بمناسبة الجدل المفتوح حول إقصاء التجمعيين من الحلبة السياسية. تقول القصيدة إن حاكما ظالما شريرا أحسّ بالغيرة من راهب زاهد في الحياة طيب القلب يعيش وحيدا فوق قمّة جبل، يحبه جميع أهالي المملكة ويتبركون به، فأرسل جنديا ليقتله ويأتيه برأسه، وأثناء الطريق تردد الجندي كثيرا وأحسّ بتوبيخ الضمير، ثم واصل الطريق نحو الجبل مخادعا ضميره بأنه ليس إلا عبدا مأمورا يخشى على حياته وعلى «خبزة أولاده» وأن إثم الجريمة هو في نهاية الأمر في رقبة الحاكم. ولما وصل قمة الجبل وجد الراهب يصلي فاستيقظ ضميره مرة أخرى وأحسّ بالخزي والعار، وعندما لاحظ الراهب اضطرابه فهم كل شيء فقال له: - افعل ما أمرك به سيدك ولا تخف فأنا «مسامحك دنيا وآخرة». ومرة أخرى أراد الجندي أن يخفف من عذاب ضميره فقال للراهب: إن كانت لك رغبة ما قبل أن تموت، أكون قادرا على تنفيذها فسأفعل. ودار بينهما إثر ذلك الحوار التالي: - لي طلب وحيد وهو أن تتركني أصلي صلاة أخيرة أطلب فيها المغفرة لي ولك ولسيدك، وهي صلاة ستكون طويلة بعض الشيء فأرجو أن تتركني حتى أفرغ منها. - فلتصل إن أردت للبشرية جمعاء.. - إن الصلاة في شأن البشرية جمعاء طويلة جدا... وقد يعاقبك سيدك إن تأخرت في العودة له برأسي. - إن لي كلمة واحدة وسأحترمها، ولن أقتلك إلا إذا فرغت من صلاتك. وبدأ الراهب يصلي ويصلي، فذنوب البشرية كثيرة.. كثيرة ..لا تحصى ولا تعد... ومرّت الساعات وأقبل الليل فاتكأ الجندي على سيفه ليستريح قليلا فغلبه النعاس.. ومرت الأيام والجندي نائم نوما أبديا بعد أن تجمد من البرد والصقيع.. فالأحمق لم يكن يعرف أن الصلاة على البشرية جمعاء سرمدية لا نهاية لها. ومرت الأسابيع فالاشهر فالسنوات والراهب يتضرع الى السماء... واهترأت ثياب الجندي ثم تلاشت وفرقتها الرياح... ومات الحاكم الشرير وذهب في خبر كان.. والراهب أشفق عليه الرب فرفعه الى السماء.. أما الجندي فقد بقي متكئا كالصنم على سيفه الصدئ، عاريا كما ولدته أمه في قمة الجبل، وهو العقاب الذي أنزله به الرب. «فالجندي ما كان له أن ينفذ أمرا زنديقا.. بكل المعايير، وبما أن الله خلق له ضميرا فما كان له أن يحتمي وراء مسؤولية الآخرين.. فعندما نتخلى أنا وأنت والآخرون عن ضمائرنا فإننا نعصي الرب ونتخلى عن بشريتنا». إن هذه الحكاية تنطبق كل الانطباق على التجمع والتجمعيين . فلما أصبح النظام «منحرفا» بأتم معنى الكلمة منذ أواسط التسعينات، غادره تباعا كل من له الحد الأدنى من الضمير والأخلاق والحس الوطني.. ومن بقي فيه ساهم وشارك مشاركة فعالة في جريمة ارتكبت في حق الشعب التونسي، ومن نتائجها ما نشاهده اليوم من بطالة وفقر مدقع وتهميش في حوالي نصف البلاد، إضافة الى كارثة انحدار أخلاقنا الجماعية الى الدرك الأسفل وغلبة الأنانية والسلبية والهمجية عليها . إن التعلل اليوم بأن إقصاء التجمعيين بدعة وسابقة لم تحدث أبدا من قبل في أي من أصقاع الدنيا، ما هو إلا أكذوبة مفضوحة، فقد حدث مرارا وتكرارا أن وقع استبعاد الأحزاب التي وقفت وراء كوارث أو هزائم عسكرية من المشاركة في جهود إعادة البناء، والتاريخ حافل بشواهد على ذلك. أما التعلل بأن الأمر لا يجب أن يكون الا بأمر قضائي، فالقضاء لما قضي بحل التجمع سبق أن قال كلمته في الموضوع كما أن الشعب نفسه سبق أن حسم هو أيضا في الموضوع بما أن الثورة قامت ضد بن علي وتجمعه. والإختفاء من قبل بقايا التجمعيين وراء تعلة القضاء هو من زاوية أخرى أكذوبة كبيرة لأن الجريمة التي ارتكبها التجمع في حق البلاد (انظر مقالة سابقة تحت هذا الركن بتاريخ الجمعة 18 ماي الجاري) هي أساسا جريمة أخلاقية شنيعة بكل المقاييس وهل لا يستحون أيضا من الاحتماء بقضاء خربوه تخريبا. أما اذا سلمنا بطرحهم فإن القضاء مؤهل لينظر في جرائمهم، فهم شركاء فاعلون في عمليات القتل تحت التعذيب وفي التشريد والاستيلاءات على الأموال العمومية، وما فعلوه يمكن أن يرقى بسهولة الى جريمة الخيانة العظمى. نعم، لقد كانوا كالجندي الروسي في خدمة حاكمه الشرير، متخلين عن ضمائرهم، وهم أول من يعرف ذلك، والدليل هو أنهم «خنسوا» بعد الثورة وتسربلوا بخزيهم وعارهم، ولكن بعد أن هدأت عاصفة الأيام الاولى للمطالبة بالمحاسبة، ها قد رجعت فيهم الروح، وها هم يحاولون العودة من جديد من النافذة بعد أن كانوا خرجوا من الباب الخلفي. جمال الدين بوريقة



Mai 2012
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06
07 08 09 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31
<< >>