ما بك يا وطني؟

Assabah - 2012-05-24
Lu 332 fois

مضى عام ونصف تقريبا عن تاريخ 14 جانفي، ونحن لا نزال نراوح أماكننا. الكل يتخبط غير قادر على رسم الطريق الذي سيقود البلاد إلى الأمان. الشعب لم يفرح و الثورة لم تفرض قانونها بعد، بل همّشت و حرّفت عن مسارها عندما ركبها الكل دون استثناء. تمّ كنس بن علي غير أن المنظومة التي أسسها لاتزال حيّة. هناك الآن من ينبش التراب المتعفن و يخوض المياه الآسنة طمعا بصيد أو لقية. الثقافة التي أرساها بن علي شكلت عقلية تنهض على الخوف والانتهازية واللامبالاة. عقود من نرجسية الزعيم تلتها سنوات من القحط و القمع وحيونة الإنسان شكلت تونسي اليوم الذي لم يستطع بعد الخروج من قمقمه. كلنا بدون استثناء لا نزال نستبطن ذلك التونسي الضعيف الذي عاش في ظل نظام أحاله إلى تابع لا حول له و لا قوة. بن علي لا يزال يلاحقنا و ينخر عقولنا النخرة أصلا. في هذه الأيام، ينتابني شعور بأن الوطن في مأزق. تراءى لي مطأطيء الرأس مهموما متعبا غير قادر على الحركة. كان ينوء بحمل انتهاكات التاريخ وألاعيب الحاضر وحماقاته. وقع في شراك المتغيرات الحاصلة وبات كرة يتقاذفها أنصار الثورة وأعداؤها. في الظاهر، الكل يزعم نصرتها و يبدي استعداده لدفع الغالي والنفيس من أجل حمايتها، لكن الواقع يكذّب الجزء الأعظم من هؤلاء الزاعمين والأدعياء. الحكومة بقيادة النهضة تمارس لعبة قواعدها غير قارة. هي في السلطة لكنها لا تحكم لأنها لم تفعّل القانون خشية أن يلفظها الناس وينفضّ من حولها الأنصار. الكيل بمكيالين في معالجة بعض القضايا الشائكة ألّب عليها قطاعا كبيرا من التونسيين الغاضبين. بكل بساطة هذه الحكومة تعلن شيئا وتبطن أشياء وتخاصم رهطا وتهادن رهطا آخر. السلفيون بالنسبة إليها أبناء ولن تلقي بهم في السجون حتى إذا استعملوا العنف ومنعوا بيع الخمور بجهاز حسبة أنشأوه في غياب الدولة وضعف قوة القانون. هم بصدد فرض قانونهم الخاص على مرأى ومسمع الجميع. نحن نقول هم شركاء في هذا البلد مثل سائر التونسيين لهم ما لنا وعليهم ما علينا. لا تزال لعبة تبادل الأدوار تفرض نفسها رغم ما يطفو على السطح من خلاف قد يكون مقصودا لمزيد تلهية الناس و إغراقهم في قضايا هامشية قد تودي بالبلاد إلى الهاوية. لا يزال الخوف قائما ما دامت الحكومة لم تظهر الإرادة الصادقة لمحاربة كل من تسول له نفسه أن يفرض بديله بالقوة والترهيب. الحكومة بقيادة النهضة تشن علنا حملة ضد التجمعيين وفي المقابل تنتدب البعض ممن تأكد ولاؤه في مناصب عليا في الدولة. هذه من مظاهر الازدواجية في سياسات النهضة. هي سياسات ومواقف تتغير بتغير الظروف والملابسات. البلاد تمر بمخاض عسير. ما يحصل هذه الأيام يوحي للبعض بأن هروب بن علي كان لعنة أصابت البلاد و العباد. هذا ما يراد إبلاغه بشكل أو بآخر للشعب التونسي الكريم. هي لاشك أصابع تدير الدفة من بعيد تريد ايهام النفوس الضعيفة بأنها فقدت «أبا» كان، على قساوته وجبروته، قادرا على ادارة الأزمة. من بينهم المتعلقون بتلابيب الزعيم، والذين يروجون لابد لهذا الشعب من زعيم يرعاه. يقولون وبئس ما يقولون، غاب «الأب» فعمت الفوضى ونشب صراع بين الأبناء ، كل يرغب في الاستحواذ على الإرث الأسود». الفوضى حاصلة وهي واقع يعيشه التونسي في أدق تفاصيل حياته اليومية. هو تدافع اجتماعي عند البعض، وهو تناحر واقتتال حسب البعض الآخر. فوضى خلاقة عند هذا و هي هدامة عند ذاك... إنها الفوضى وان تعددت النعوت والأوصاف. المعارضة بتياراتها المختلفة تعاني من التخبط وتواجه خطر التشظي والتفتت رغم محاولات التلاقي و الاتحاد. إلى يوم الناس هذا، لم تفلح المعارضة في اقتناص الفرصة لافتكاك موقع يليق بها في الساحة السياسية التي باتت تعج بأخلاط حزبية كانت في عهد بن علي من ألد أعداء شعبنا التونسي الكريم. ومن مفارقات هذا الزمن الذي لا يزال على قبحه و رداءته أن تقوم فئة حكمت البلاد أكثر من نصف قرن مخلفة وراءها دمارا و خرابا واسعين مطالبة بالمشاركة في بناء تونس الثورة! أي ثورة يقصدون؟ لماذا هذا الإصرار على استغباء الشعب و احتقاره؟ بعد فترة من السبات نهضت هذه الفئة ساعية إلى العودة مستغلة ظرفا موسوما بالغموض والضبابية وساحة سياسية تكتنفها فراغات لم يستطع صناع الثورة ملئها لأسباب يطول شرحها. وأمام نزوع النهضة إلى الهيمنة والتغول رغم ما تشهده سياساتها من قصور و ضعف يضيق هامش حركة المعارضة وتنسد أمامها أبواب الفعل الايجابي الذي يكسبها موقعا محترما في حقل السياسة فتندفع نحو تحالفات مشبوهة لا تخدم البلاد البتة . وضع وطني يؤلمني . دنوت منه في رفق لأواسيه وأخفف عنه عبء ما يعانيه. خشيت أن يجفل ويبتعد عني غير أنه لم يفزع . رفع رأسه فحنيت ظهري . فهم قصدي و ما تعنيه حركتي فاستعاد شيئا من هيبته وشموخه. لكن بدا لي أنه يشعر بحرج أو بذنب يقلقه ويقض مضجعه. وددت مخاطبته لكني لم أجرؤ. عظمته ترهبني وتعقل لساني وتشل أطرافي. ظللت أسترق إليه النظر فاستدناني وداعب شعري ثم ضمني إلى صدره . كان دافئا حنونا كصدر أمي.. اندسست أكثر لأستمتع بذلك الدفء الذي ذكرني بأمي تلك المرأة الغالية. انكمشت في أحضانه وطفقت أتشمم علّي أعثر على رائحة أمي لأعبّ منها ما يكفيني لحاضري وغدي. التصقت به التصاقا شديدا فتناهى إلى سمعي أنين . تحركت في حضنه ورفعت رأسي، فتنبه إلى ذلك وضغط عليّ برفق ثم طبطب على ظهري في حنان. اطمأننت وقرت عيناي وأنا في حضنه. تذكرت أمي وتذكرت حضنها الدافئ فتشجعت وسألته وأنا مندسّ في طيات جسمه العظيم: - مابك يا وطني؟ تنهد فكدت أهوي في الفراغ. شدني إليه كما كانت أمي تفعل حين يغلبها النعاس و أنا في حضنها الدافئ. الآن بت على يقين من أنه يتألم في صمت. تنهده جعلني أتحاشى تكرار المحاولة. سكتت، ثم ما لبثت أن عاودتني الرغبة في السؤال. فسألته لكن بصياغة أخرى: - ما الذي يؤلمك يا وطني؟ فأجاب هذه المرة بصوت متهدج تغلب عليه نبرة من الألم: - ما يؤلمني أني صرت صغيرا جدا يا ولدي. عبد الكريم حميدة أستاذ - الشابة



Mai 2012
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06
07 08 09 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31
<< >>