الوطن.. أوّلا

Assabah - 2012-05-27
Lu 312 fois

علمونا منذ الصغر أن "حبّ الوطن من الإيمان" وأن هذا الحبّ لا يقتصر على المشاعر والأحاسيس والأقوال، بل يتجلـّى في الأفعال.. علمونا أن الوطن شجرة وارفة الظلال تطرح حقوقا لعشاقها، وتلزمهم بآداء ما عليهم من واجبات.. علمونا أن الوطنية مواقف مؤيّدة وداعمة للوطن أرضا وشعبا.. علمونا أن الوطن عزيز وإن جار علينا حكامنا وأغرقونا في المآسي والضلالات، بيد أنه - وللأسف الشديد- كثيرا ما نجد في هذا الزمان سوء فهم لبحر معنى الوطنية... أو تصادفنا طينة من البشر وطنيّتها تشبه جلد الحرباء تتلوّن وفق مصلحتها ومآربها وهي فئة قليلة يصحّ فيها قول معروف الرصافي : لا يخدعـنـّك هـتاف القــوم بالـوطـن فالقوم في السرّ غير القوم في العلن لست أسعى بكتابتي لهذا المقال إلى إعطاء الدروس للناس أو المزايدة عليهم أو ما شابه ولكن شدّني موقف وطني من أهل البرتغال حملني على التساؤل: أين نحن من حبّ الوطن ؟ أما الموقف فهو الآتي: تحسّبا لامتداد أزمة اليونان إلى أرض البرتغال قرر كل مواطن الاستغناء عن يومين من العطل الدينية ومثلها من العطل الوطنية وعن ثلاثة أيام كاملة من إجازته السنوية لدعم اقتصاد بلاده.. هنا ينتهي الخبر وتنطلق التساؤلات: ما الذي يجعل مواطنا برتغاليا يتخلى عن حقه بلا قيد ولا شرط وبلا ضغوط؟ ما الذي يجعله كاملا عقلا ودينا مع أننا نزيد عليه بنعمة دين الإسلام وبدعوته للتراحم والرفق والإيثار؟ ما الذي يجعله يضحي براحته في سبيل بلد يمثل قوة عالمية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا؟ دون شك هو حبّ الوطن.. في المقابل عندما يغيب الوعي الوطني بالمصالح الحقيقية للوطن وتعمي الأنانية القلوب والأبصار نصطدم بواقع كالذي تعيشه بلادنا منذ شهور.. الكل يريد.. الكل يطالب.. الكل يتظاهر.. الكلّ حوّل الوطن إلى قالب حلوى يسيّل اللعاب.. الكل يمدّ يده إليه عساه "ينتـّش" ولو فتاتا قبل أن "تاخذ كل يد أختها".. أمام مثل هذا الوضع تحاصرنا مجددا التساؤلات.. أين نحن من حب الوطن ونحن نثقل كاهله بالمطالب التعجيزية؟.. ما الذي جنيناه من مطالب الزيادة والتعويض والترسيم وهجر المكاتب والمؤسسات والمرابطة في الساحات غير تدنـّي الانتاج وضياع أسواق التصدير وغلق المصانع واقتصاد "بارك"؟ أين نحن من حب الوطن عندما نحرق وننهب ونكسّر ونعنـّف ونخوّن ونكفـّر ثم نقف أمام عدسة الكاميرا مهددين بمزيد التصعيد؟ أين نحن من حب الوطن عندما يخرج علينا السياسيون والمحللون والإعلاميون في المنابر والتلفزات ولا يخجلون من إظهار بياض أسنانهم وهم "يشلـّكون" بعضهم البعض؟ أين نحن من حب الوطن عندما يجتمع السياسي والمواطن على كلمة "هات"؟ أين نحن من حبّ الوطن وصورته في الخارج شوّهت وعراقته ترهـّلت وسواعده كبـّلت ووحدته زلزلت وأصواته شتتت؟ علينا أن نعرف أن كرامتنا التي رفعنا شعارها عند قيام الثورة تـُسْتمَدّ أولا وأساسا من كرامة هذا الوطن.. فلا ترف للأفراد إلا بترف الوطن، ولا أمان للمواطن إلا بأمن الوطن، ولا حلول إلا بالصبر على الوطن... وفي الختام لنتذكر جيدا هذه القولة: ومن يظلمْ الأوطان أو ينسَ حقها تجـِئـْه فـنون الحـادثـات بـأظـلـم ليليا التميمي



Mai 2012
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06
07 08 09 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31
<< >>