هناك رائحة صفقة في محاكمة مبارك.. وعقوبة الإعدام مخالفة لحقوق الإنسان
Assabah - 2012-06-03Lu 397 fois
الأحكام الصّادرة بشأن علاء وجمال مبارك توحي بأنّ الثورة لم تكن - وصف الاستاذ عبد المجيد العبدلي قرار المحكمة الصادر في حق الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك ومساعديه بـ"المسرحيّة الهزليّة" و قال المحامي و الخبير في القانون الدولي في حديث خصّ به الصباح ان ما حدث بالأمس يوجه رسالة سلبية للمصريين مفادها أن الثورة لم تكن في مصر. وشدد العبدلي على أن المصيبة الكبرى هي أن القضاء في دول العالم الثالث ودول الربيع العربي لا يزال بعيدا عن كسب استقلاليته. وأشار الخبير التونسي إلى أن الدرس الأهم في المحاكمة موجه إلى كل الانظمة الدكتاتورية، ولا سيما الانظمة العربية المتوارثة، وخلص إلى أن المحاكمة خيبت آمال المصريين في العدالة وفي قضاء مستقل ونزيه. وقارن العبدلي بين المحاكمات في تونس ومصر حيث اعتبر أن القوانين الراهنة لا يمكن أن تحقق نتائج تذكر حتى لو استمرت المحاكمة لبن علي ومقربيه أربعين عاما... وفيما يلي نصّ الحديث: حوار: آسيا العتروس * كيف تنظر إلى ما وصف بـمحاكمة القرن في مصر وما آلت اليه محاكمة مبارك ومساعديه ونجليه؟ - يبدو أن هناك رائحة صفقة لا يمكن انكارها.. مبارك في الرابعة والثمانين وقد يتم اطلاق سراحه بعد فترة وهذا أمر وارد جدا. أما القول بسقوط الدعوى بالنسبة لابنيه جمال وعلاء بمرور الزمن فهو أمر غير مقبول إذ أن هناك مانعا ماديا ومعنويا وهناك أيضا جرائم فساد ثابتة وهناك مشكلا حقيقيا في الاقرار بسقوط الدعاوى بمرور الزمن. فنحن في قضية الحال ازاء وضعية خاصة جدا لا تسقط فيها هذه الدعاوى مهما طال الزمن.. لقد كان هناك مانع مادي وقانوني يقف دون امكانية لجوء الضحايا إلى القضاء لإنصافهم. والواقع أن مبارك رئيس السلطة وأبناءه معه وقد حدثت في عهده التجاوزات والخروقات، بالتالي فإن من انتزعت أرضه أو تعرض للظلم أو صودرت أملاكه دون وجه حق لم يكن أمامه مجال لمقاضاة المسؤولين عن ذلك، ولكن اليوم وبفعل الثورات العربية، فقد زال المانع في تطبيق قاعدة سقوط الدعوى تماما كما هو الحال في تونس، وإذا كان بن علي أو من معه قد تورطوا في جرائم قتل أو استغلال نفوذ في الثمانينات وربما كانت هناك موانع أمام الضحايا آنذاك ولم يكن بإمكانهم رفع دعاوى ضدّ الرئيس أو أقاربه وهذه أمور بديهية خوفا من ردود الفعل، ولكن هناك اليوم واقع جديد تفرضه الشرعية الثورية وهناك مادة في القانون الجنائي تؤكد الاشارة إلى المانع المادي والجنائي، ومن هذا المنطلق فان الاصوات باعادة بلحسن الطرابلسي ومحاكمته في التهم المنسوبة اليه لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة حتى لو استمرت المحاكمة أربعين عاما لان هناك موانع مادية وقانونية لا تسمح باثارة الدعوى العمومية. وحتى نبسط الامر للمواطن العادي فهناك موانع مادية وأخرى قانونية لا تنفع معها رفع الدعاوى والسؤال المطروح هل كان بإمكان أحد من الضحايا رفع دعوى ضدّ الرئيس أو مقربيه؟ لا شك أن المانع زال اليوم في دول الربيع العربي والامر ينطبق على مصر وتونس والكل يعرف أن جمال وعلاء أكبر مصدر فساد في مصر والحكم الصادر أمس لا يقبل أكثر من قراءة ولسان الحال يقول للأسف وكأن الثورة لم تكن في مصر. * سياسيا كيف يمكن قراءة هذه المحاكمة؟ - مرة أخرى نقول للأسف أن القضاء في دول العالم الثالث ودول الربيع العربي غير مستقل. هناك قضاة مستقلون ولكن لا يمكنهم القيام بشيء والقضاء غير مستقل، القضاء في هذه الدول لا يزال خاضعا وبعيدا عن الاستقلالية. * بمجرد إعلان الحكم بحق مبارك شهدت قاعة المحكمة حالة من الهيجان وارتفعت أصوات تطالب بالإعدام فكيف تعلق على ذلك؟ - أولا نحن لسنا في خمسينات أو ستينات القرن الماضي زمن الثورات على الاستعمار, عقوبة الاعدام مرفوضة لدى الرأي العام الدولي وهي تضر أكثر مما تنفع في مجتمعات الثورة, وسواء أحببنا أو كرهنا فنحن مازلنا في عالم تحكمه علاقات شمال جنوب وفي نظري حكم مدى الحياة أفضل من عقوبة الاعدام, ربما يكون طابع المجتمع المصري مختلفا، ولكن الكونية تقول ان عقوبة الاعدام مخالفة لحقوق الانسان، حتى في تونس لم تطلب النيابة العامة الاعدام لبعض الذين يحاكمون، ولن أتصور ذلك.. وحتى الثوار في مصر قد لا يطلبون ذلك، الثورة عاطفة، والعاطفة تبقى متأججة، وأمل الناس في القضاء لم يتحقق.. لسنا أمام محاكم شعبية، هناك جرائم ثابتة، ولكن السؤال كيف سيتم فيها البحث؟ * قلت إن المحاكمة مسرحية هزيلة ولكن في المقابل ألا تعد محاكمة مبارك سابقة في دول الربيع العربي وإشارة إلى أن المشهد لن يكون كما كان قبل 25 يناير وأن محاسبة رموز السلطة أمر قائم ؟ - هي مسرحية هزيلة فعلا وتبين ما قاله بوش الابن عندما روج للفوضى الخلاقة وهذا ما يحصل في دول الربيع العربي التي تعيش نوعا من التجاذبات. صحيح أننا اليوم أفضل حالا مما كنا عليه قبل 14 جانفي فنحن نشعر بأننا أحرار في التعبير عن آرائنا ومواقفنا دون خوف وهذا مكسب لنا ولكن المشكل في الهالة الاقتصادية والازمات الاجتماعية فهناك مجاعة وفقر والغرب يبدو وكأنه متشف بعد وصول تيارات اسلامية إلى السلطة والامريكيون بعد أن خسروا في العراق وافغانستان وفشلوا في جلب الحرية والديمقراطية إلى البلدين, نحن لا نقول أن هناك ندما على ما حدث بالعكس ولكن نقول لا بد من التصحيح والمراجعة للكثير من الامور. الثورة الفرنسية بقيت من 1789 إلى 1848 طبعا نحن نتحدث عن ظروف زمنية مختلفة ووضع سياسي مختلف عن تلك الفترة ثم ان وسائل الاتصال الموجودة قد تساهم أحيانا في اجهاض الثورات بنشر معلومات خاطئة. كل الثورات العربية التي قامت كانت بدون قيادة وقامت ضد الظلم والدكتاتورية ولكن إلى حد الآن لم نشهد محاكمات عادلة. وأعود إلى تونس والمحاكمات المستمرة منذ أشهر وأقول إننا كنا مخطئين منذ البداية في هذه المحاكمات وللتوضيح فهي محاكمات لا يمارسها القضاء العادي الذي لا يزال يشكو من الفاسدين, والمحاكمات بعد الثورات يجب أن تقوم بها محاكم متخصصة متكونة من خبراء يملكون العلم القانوني تنظر في كل القضايا ذات البعد السياسي وتتمتع بالكفاءة العلمية والنزاهة والحياد. والدليل على ذلك ودائما اعتمد المثال التونسي أنه في كل مرة يخرجون علينا بقائمات من القضاة الفاسدين الذين كانوا سيحاكمون بن علي وجماعته، فكيف يستقيم الامر؟ ثم ان المحاكم العسكرية لها سمعة سيئة في العالم واللجوء اليها حتى بعد اجراء عديد التنقيحات كلام فارغ لا بد إذن في الوضع الحالي من محاكم متخصصة. * لو أردنا استخلاص الدروس من هذه المحاكمة ما الذي يمكن قوله ؟ - بالتأكيد انه درس لكل الدكتاتوريات في العالم خاصة في البلدان العربية.. مبارك حكم مصر على مدى عقود وقانون الطوارئ المعتمد منذ 1981 لم يرفع الا قبل أيام وتعاون مع الموساد والسي اي ايه، والحكم الصادر بشأنه انتصار للشعب المصري ولكنه انتصار أيضا للشعب العربي.. ودكتاتورية مبارك لا توصف وهو محمي من اسرائيل التي بكى قادتها عليه ومن أمريكا، ومع ذلك لا بد من الاشارة إلى أن مبارك لم يهرب من بلده وقبل بمواجهة مصيره وليس كما فعل بن علي الذي اختار الهرب وهو قائد القوات المسلحة واقترف بذلك جريمة الخيانة العظمى التي تستوجب الاعدام. المحاكمة لم تكن عادلة حاكمت رمز نظام فاسد ودكتاتوري وقد كانت بذلك درسا للحكومات والسلطة في الدول العربية وخاصة منها الانظمة الوراثية، الذين يتعين عليهم ترقب غضب الشعوب التي قد تمهلهم ولكنها لن تهملهم.