الطفلة ياسمين.. أو الكرامة المفقودة

Assabah - 2012-06-11
Lu 377 fois

لا ننشد المدينة الفاضلة ولا ننشد المستحيل، فما يطلبه كل تونسي بالتأكيد هو الكرامة التي ربما تتعدد تعريفاتها، ولكن لو سلمنا بأن ثلاثة حقوق وهي الحق في الشغل وفي التعليم وفي الصحة تمثل أبرز مكونات تلك الكرامة، سنجد أنه دون الحق بالصحة تنعدم بقية الحقوق بصورة آلية. أسوق هذا الكلام بعد مشاهدة مقطع من برنامج « المسامح كريم » يوم الجمعة الماضي على «قناة حنبعل».. حيث كانت الوضعية الصحية للطفلة ياسمين مما لا يمكن أن يتخيله الإنسان، فقد أصيبت بمرض نادر ونظرا لعدم توفر الدواء في تونس وارتفاع ثمنه الذي يبلغ قرابة عشرة ملايين من المليمات كل شهر -وعلى ما يبدو فإن مرضها مزمن- وبالتالي الله وحده يعلم كم سيكلف العلاج عائلتها. بصراحة القضية لا تقف عند الجانب المالي، فما ذكره والدا الطفلة من تلكؤ الجهات المعنية في تمكينها من العلاج ربما تهربا من التكاليف أو لانعدام الرغبة في البحث عن حلول، يطرح مسألة في غاية الخطورة، وهي أن الصحة في تونس أصبحت رهينة توفر المال، وفي حالة انعدامه يتعين الاستسلام للمرض. إذن أين هو الحق في الصحة وأين هي الكرامة، بما أن المرء أصبح مهددا في حياته، لأنه قد لا يقدر على توفير ثمن دواء أو لا يلقى العناية الطبية اللازمة التي تليق بمواطن يدفع أداءاته للدولة ولا يلقى منها الرعاية الصحية، خصوصا إذا كان من الطبقة الوسطى أو من ضعاف الحال والمعدمين؟ المسألة خطيرة بالتأكيد ويحق لكل مواطن أن يطرح جملة من التساؤلات بخصوص مستقبله ومستقبل أبنائه، لأننا أصبحنا شهودا على جملة من التحولات المتناقضة مع احترام حقوق الإنسان -وأهمها الحق في الحياة- ستصبح الكرامة مجرد عبارة فاقدة لمعانيها في حالة تواصل النظر إلى الصحة بمنظار مالي وليس حقوقيا. لا نريد أن تتحول تونس من بلد مواطنة إلى بلد تحتكم فيه العلاقات الاجتماعية وتخضع فيه الحقوق إلى المال، مثلما هو الشأن في الولايات المتحدة حيث يرفع الأمريكيون شعار «الدولار بيننا»، لأننا على خلاف أمريكا لم توحدنا المصالح المادية في دولة، بل جمعتنا الدولة على الحلو والمرّ، لأن عديد المقومات جمعت بين أبناء هذا الشعب على مرّ السنين. النموذج الأمريكي الذي يقدم على أساس أنه رمز للنجاح واحترام الحقوق بمختلف أنواعها وتقديس المبادرة الخاصة، أنتج جملة من المتناقضات منها تهميش السود، وارتفاع نسبة الفقر، وبروز صعوبات أمام الطبقة الوسطى. تصوروا في أمريكا هناك 7 ملايين طالب منحدرين من الطبقة الوسطى، ويبلغ معدل مديونية كل منهم بعد التخرج 27.500 ألف دولار خلال عام 2011، )حوالي 30 مليون مليم(، وذلك وفقا لمقال نشرته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في عددها الصادر يوم 26 ماي الماضي. ويشير المقال إلى أنه ينتظر أن ترتفع نسبة الفائض الموظف على القروض الفيدرالية في جويلية القادم من 3.4 إلى 6.8 في المائة.. بل عن إحدى الطالبات المتخرجات، التي تمكنت من العثور على شغل، لكن يتعين عليها في الأثناء تسديد ديونها البالغ حجمها 133 ألف دولار، والتي تقول إنها قد تنجح في تسديدها خلال ثلاثين عاما، أي عندما يصبح عمرها 60 عاما. هذا المثال كفيل بالتدليل على خطورة انتهاج سياسات موغلة في الليبرالية، وأكثر من ذلك تجرد الدولة من أية مسؤولية مباشرة تجاه مواطنيها، فتتسع الهوة بين ضمان الحقوق وتجسيمها، وبالتالي تتعدد المخاوف بشأن المستقبل. إننا في تونس في أمس الحاجة إلى تعديل المسارات الاقتصادية، وهو ما تؤكده الأرقام التي تؤكد ارتفاع نسبة الفقر، مثلما أكدت المديونية الأسرية وارتفاع تكاليف المعيشة تقلص قاعدة الطبقة الوسطى، التي تكاد تصبح جزئية في التاريخ المعاصر للبلاد. لا نريد أن يشعر أحد بالغبن، أو تستعصي عليه تكاليف علاج، أو تثقل كاهله تكاليف الدراسة، لأن مواطنة بلا كرامة هي أكبر تعدّ على حقوق الإنسان.



Juin 2012
LMMJVSD
01 02 03
04 05 06 07 08 09 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
<< >>