توزيع عادل وشفاف للإشهار العمومي.. تخفيض الأداءات.. وتشجيعات خاصّة لوسائل الإعلام الجديدة

Assabah - 2012-06-12
Lu 412 fois

انتظمت يوم السبت الماضي في مقر المركز الافريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين بالعاصمة ندوة محورها «أية مساعدة يمكن أن تقدمها الدولة للصحافة المكتوبة؟». علما وأن هذه الندوة هي الثانية التي تنعقد في إطار سلسلة «لقاءات السبت» التي أقرها المركز بالتعاون مع مؤسسة «فريدريك نيومان للحرية» الألمانية لتجمع إعلاميين وخبراء في الاتصال ورؤساء ـ أو أصحاب ـ مؤسسات إعلامية وممثلين عن هياكل المهنة ـ نقابات وغيرها ـ وأساتذة في القانون أو في معهد الصحافة، لتبادل الرأي والخبرات حول سبل تطوير الإعلام التونسي وبحث الحلول للمشاكل التي يواجهها خلال الفترة الانتقالية وتحسس السبل لبناء إعلام جديد ذي مصداقية ويتميز بالحياد والمهنية. لا للوصاية.. نعم للمرافقة والحماية وبعد كلمة الترحيب، تطرق السيد عبد الكريم الحيزاوي مدير المركز الى المشهد الاعلامي الحالي في بلادنا «المتميز» بالفراغ التشريعي التام، نظرا لعدم تفعيل المرسومين عدد 115 و116 المتعلقين بحرية الصحافة اللذين كانا ثمرة عمل جدي ومعمّق من قبل الهيئة الوطنية لاصلاح الإعلام، ومؤكدا أنه حتى على افتراض أن المرسومين احتويا على نواقص، فإنه من الأسلم أن يتم تفعيلهما ثم تطويرهما وتحسينهما، فأن يكون هناك قانون سيء إلا أنه مطبّق، أفضل ألف مرة من وضع اللاقانون. كما أشار الى «استقالة» الدولة حاليا في ما يخص الشأن الإعلامي، وأن المطلوب هو ليس دورا رقابيا للدولة، بل دورا حمائيا للصحافة المكتوبة وذلك بسن القوانين الملائمة، ومنها حرية الصحافة و تشجيع عمليّة تكوين الصّحفيّين. تجربة رائدة واثر ذلك تحدث السيد ابراهيم الابراهيمي مدير معهد الصحافة بالعاصمة الجزائرية عن التجربة الجزائرية التي تعتبر متميزة في العالم العربي، حيث ربحت الصحافة الجزائرية بفضل نضال صحفييها، المصداقية والحرفية والانتشار، اذ ذكر أن هناك حاليا في الجزائر مائة صحيفة يومية يحقق عدد هام منها أرقام سحب مرتفعة جدا، اذ يبلغ المعدل اليومي مثلا لجريدة «الوطن» 500 ألف نسخة و«الشروق» مليون نسخة. علما أن هناك 6 صحف يومية حكومية فقط، يبلغ أرقام سحبها مجتمعة 80 ألف نسخة! كما تطرق الى التجربة الجزائرية في خصوص ما يسمى بـ«شركات المحررين»، مستشهدا بجريدتي «الوطن» و«الخبر» اللتين رافق هو تجربتهما منذ البداية، فقد كانتا منذ انطلاقهما يوميتين مستقلتين عن السلطة وعن المال، وقد حاولت السلطة جاهدة أن تحطم هذه التجربة بشتى الوسائل وذلك منذ سنة 1988، وأكد أن «مساومة» السلطة وهرسلتها لصحافة «شركات المحررين» ـ أي التي يكون محرروها هم المساهمون الرئيسيون في رأسمالها ـ متواصلة الى اليوم، ورغم أن جريدة «الخبر» تعثرت من جراء المضايقات التي تذهب من الايقاف الى الحرمان من الاعلانات العمومية مرورا بـ«المراجعات الجبائية»، فإن السلطة خسرت معركتها ضد الصحافة المستقلة، لأن الصحفيين نظموا صفوفهم وتوحدوا، مما أفضى الى سن قانون سنة 1990 الذي كانت له إيجابيات عديدة ويمثل خطوة الى الأمام. وأرقام السحب المرتفعة هذه، التي تشير الى المصداقية الكبيرة للصحافة الجزائرية المستقلة، جعلت الكثير من الصحف في غير حاجة اطلاقا الى الاشهار العمومي. ضبابية ومحاباة لما أفسح المجال لنبيل جريدات باعث ومدير جريدة «الأولى» الذي خاض مؤخرا اضراب جوع من أجل المطالبة بتوزيع عادل للاشهار العمومي، تحدث عن تجربته كباعث وسيلة إعلام اثر ثورة 14 جانفي، فتعرض الى العراقيل المختلفة التي واجهها والى غياب طرف حكومي محاور، ثم ندد بالضبابية والمحاباة اللتين تميزان ميدان توزيع الاشهار العمومي، بحيث أن هناك جرائد بعثت اثر الثورة نجدها تتمتع بـ«دعم» كبير في هذا المجال، من ذلك أن جريدة حزب (أي «الفجر» الناطقة باسم «النهضة») رأت النور هي أيضا اثر الثورة وتتحصل أحيانا في العدد الواحد على اثنتي عشرة صفحة اعلانية، بينما جرائد أخرى تحرم من هذا الاشهار ولا تجد حاليا أي مخاطب في هذا المجال. «حــنيــــن»! خلال النقاش الذي تلا هذه المداخلات، تباينت الآراء والمواقف، وللأسف فإن المصالح الذاتية الضيقة ـ عوض النظرة الموضوعية الشاملة والاستراتيجية للقطاع ـ طغت على عدد من التدخلات بحيث بدا واضحا جليا أن أصحاب وسائل الإعلام الخاصة وكأنهم «يحنّون» الى هيكل شبيه بوكالة الاتصال الخارجي يحل مكانها ليوزع «خبزة قاطو» الاعلانات، ولذلك فإن جل الاقتراحات الجدية أتت من الخبراء الأجانب المشاركين في الندوة، والذين ركزوا على أن إعانة الدولة للاعلام لا يجب أن تنحصر في مسألة توزيع الاعلانات العمومية، بل يجب أن تتعدد محاورها من التخفيضات في الأداءات الى التشجيعات المختلفة على الانتداب أو التكوين والرسكلة، وبإقرار تشجيعات خاصة للصحف الجديدة، ودعوا أيضا أصحاب الصحف الخاصة الى وضع استراتيجيات تجارية طموحة، كالسعي مثلا الى ارساء سياسة حث على الاشتراكات موجهة الى الخواص. المقاطعة ـ العقاب أجمع عدد من الحضور على أن النتائج المدمرة لعهد بن علي على الصحافة التونسية كانت كارثية بحق، وقل وندر أن وصلت عملية التحطيم الممنهجة للقطاع في بلد ما الى ما وصلته في تونس، وهو ما انجر عنه عزوف القارئ التونسي عن صحافة بلاده، وهو عزوف اكتسى في واقع الأمر شكل المقاطعة ـ العقاب، فمجمل الصحف التونسية أسبوعية ويومية تكاد لا تصل اليوم أرقام سحبها إلى أرقام صحيفة يومية جزائرية واحدة، وهو ما وضع الاعلان العمومي في محور «اهتمامات» بل «صراع» الصحف التونسية، وهي وضعية غير سليمة اطلاقا، ولا بد من تجاوزها بتصور مقترحات أخرى عدا توزيع الاشهار العمومي، إذ أن توزيع هذا الاشهار بشكل شفاف وعادل ليس حلا سحريا إذ قد يحل جزءا بسيطا من المشكل ولكنه لن يحله برمته. صفقة المغفلين إنه لمن الصعب حاليا بمكان الاتفاق حول معايير شفافة وعادلة لتوزيع هذا الاشهار، وأن أهل المهنة أنفسهم ( أي أصحاب وسائل الاعلام ومالكوها) عاجزون عن تصور مقترحات جدية، إذ أن الشرط الأول للشفافية هو نشر أرقام السحب للعموم، وهو ما يرفضه الجميع حاليا لأن من شأن ذلك أن يطلع الرأي العام على حقائق مفزعة حقا. من ذلك أن أعرق المجلات في بلادنا لا تتجاوز أرقام سحبها في أحسن الحالات خمسة آلاف نسخة، هذا إذا لم تكن تسحب ألفين أو ثلاثة آلاف نسخة، فـ"الصفقة" التي عقدها بن علي مع أصحاب المؤسسات الاعلامية كانت «صفقة مغفلين» ( un marché de dupes) إذ جعلهم يبتعدون تدريجيا عن القراء وعن واقع السوق، ويصبحون «شحاذين» للاعلام العمومي، فكان أن أصبحت وسائل الاعلام التونسية في واد، والرأي العام في واد، وبلغ التناقض على مر أعوام عهد بن علي، حدودا سريالية، إذ أن تجاهل الرأي العام تحول شيئا فشيئا الى احتقار له، فكان أن عاقب القارئ وسائل الاعلام التونسية في عمومها، بحيث اصبحت الاعلانات الحكومية والاشتراكات الحكومية هي وسيلة عيشها وبقائها الوحيدة، إن تجاوز الوضع الحالي يفترض في مرحلة أولى على الأقل وتحديد رقم سحب أدنى للتمتع بالاشهار العمومي، حتى وان كان ذلك سيجبر عددا من وسائل الاعلام الحالية «على وضع المفتاح تحت الباب» أي الاندثار، إذ يجب القطع نهائيا مع أساليب الاستهتار بالمال العام التي كرسها النظام السابق، بحيث أنه كان «يغذي» بالمال العام ـ والأرقام مفجعة في هذا المجال ـ اصطناعيا عشرات الجرائد والمجلات بالاعلانات الحكومية، رغم أنها لا تبيع ولو عشر نسخ في السوق، أي أنها تذهب مباشرة من المطبعة إلى سلة القمامة أو إلى معامل عجين الورق. جمال الدين بوريقة



Juin 2012
LMMJVSD
01 02 03
04 05 06 07 08 09 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
<< >>