"قضيّة العبدليّة" كم من قناع سقط ؟
Assabah - 2012-06-16Lu 346 fois
إن كانت الأزمات التي تمرّ بها البلدان أو الناس امتحانا قاسيا ومؤلما وأحيانا هو امتحان مرهق ومنهك للأعصاب وفي أحيان كثيرة مضيعة للطاقات فإن الشعوب المجاهدة على غرار الشعب التونسي -ولا فخر- والتي تدرك أن لا خلاص لها إلاّ في سواعدها وفي عقول أبنائها تعرف جيدا كيف تخرج من هذه الأزمات بأخف الأضرار. ليس هذا فحسب وإنما تستفيد من التجربة أو بالأحرى تتعظ منها. ما يعرف مثلا بقضية العبدلية التي أسالت الكثير من الحبر وأحدثت تسابقا وتلاحقا بين وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية على الإنترنيت دون أن نكون متأكدين أن الغاية من ذلك دائما هي المساهمة في كشف الحقيقة التي رفعت على الأقل الغشاوة حول بعض الأمور. كان لما يعرف اليوم بأحداث العبدلية مفعول الصدمة الكهربائية. بفضلها استفاق التونسيون على حقائق مرة. لقد استفاقوا حتى ولو تم ذلك بعد أن حدث ما حدث من دمار وسال الدم ودفع أحد شباب البلاد وأحد طلبتها وأحد أبناء هذا الشعب الذي تعول عليهم تونس لبناء مستقبل أفضل، حياته ثمنا لذلك. لقد استفاق التونسيّون على حقيقة أن كل من يضع نفسه إمام الواعظين وينتصب حاملا لهمّ التونسيين ويعلن نفسه ليلا نهارا مسكونا بخلاص هذا الشعب ليس بالضرورة صادقا. لقد استفاق الشعب التونسي على أن من يأتيهم يولول: "واسلاماه", داعيا الشّعب إلى نصرة الإسلام وكأنه من السهل أن تمس من الإسلام في تونس أرض الإسلام، وكأنّه من السهل أن تمس من الإسلام وهو دين التونسيين وكأنه أكثر إسلاما من الملايين من التونسيين ممّن اختاروا الإسلام دينا ومحمدا صلى الله عليه وسلم رسولا ليس بالضرورة صادقا. لقد استفاق التونسيون على أن من جاءهم مولولا هو ومن أرسلوه ليسوا أكثر من غربان تنعق حاملة معها النحس وهي لا تريد خيرا بهذا الشعب الطيب والمؤمن والذي يمكن أن تمسه في قوته وفي عينيه وأن يتمسك بالصبر ولكن لا تنتظر منه أن يصمت على من يتعرّض بالسوء لمقدّساته. لقد استفاق التونسيون على أن هناك من يتربص بهم مستغلا غفلتهم ليغرقهم في بحر من الإشاعات لأنه يدرك جيدا أن وضع التونسي المشغول بأهداف الثورة التي تأخر تحقيقها والمهموم بوضع البلاد التي كثر فيها الجدل وقلّ فيها العمل أصبح فريسة سهلة له ولزمرة من أمثاله وهو مرهق جدا حتى يقوى على التثبت من الأمر إن كان حقيقة أو إشاعة. لقد تفطن التونسي إلى أن هناك من لعبت السلطة برأسه إلى درجة أنه نادى بالخروج للشوارع نصرة للمقدّسات دون أن يتأكّد لديه أنه تم فعلا المس بمقدساتنا. لقد تم توجيه الدعوة للخروج إلى الشوارع يوم أمس الجمعة باسم نصرة المقدسات الدينية في وقت ساخن جدا في البلاد غير آبه إن كانت هذه الدعوة تؤجج النار وتهدد بحرق البلاد بالكامل. لقد لعبت السلطة برؤوس بعض الزعامات الجديدة في البلاد حتى أنها نادت بالخروج إلى الشوارع في وقت كان من المفروض أن نراعي فيه مشاعر الخوف لدى آلاف العائلات التونسية التي يجتاز أبناؤها امتحان الباكالوريا في وضع أمني صعب وهي تخشى من أن تتعطّل الامتحانات مجدّدا فإذا بالدّعوة تأتي لتعصف بالأمل وتزرع الخوف والحيرة. صحيح لقد اعترض وزير الداخلية الدعوة وسط الطريق ولكن هل لنا أن نأمل في أنّ تدفع مثل الحركات ومثل هذه المبادرات غير محسوبة العواقب أصحابها لمراجعة أنفسهم. العبدلية أو ما يعرف بقضية العبدلية أرهقت الأعصاب.. نعم وخلقت الحيرة نعم ونتجت عنها قرارات سياسية غريبة كغلق القصر الحفصي وإحالة منظمي ربيع الفنون بالمرسى على القضاء نعم ولكنها رفعت الغشاوة عن كثير من الأمور من بينها مثلا استعمال مقدساتنا كفزاعة لتحقيق مآرب لا علاقة لها بمصلحة تونس. لقد رفعت كذلك الأقنعة عن وجه من يريد تحويل التونسيين إلى قطيع يحركه أنما شاء وكيفما اتفق في وقت خلنا فيه أنّنا تحرّرنا فعلا من الجبروت واسترددنا حريتنا وبشريّتنا بعد خلع الديكتاتورية من البلاد. لقد رفعت أحداث العبدلية القناع عن وجه من يريد تجنيد تونس من أجل تحقيق أجندته بدل من أن يتجنّد لتونس ومن أجلها. حياة السايب