رُبّ ضارّة نافعة

Assabah - 2012-06-16
Lu 333 fois

و أخيرا.. أخيرا، يبدو واضحا جليّا أنّ الأحداث المفزعة التي عرفتها بلادنا في بداية هذا الأسبوع مثلت الرجة النفسية التي طال انتظارها والتي لم تنجح غيرها من «الأزمات» السابقة في إحداثها، رغم خطورة بعضها كأحداث سيدي بوزيد وجندوبة. فالملاحظ الفطن لا يمكن أن يخفى عليه بعض «التزحزح» في مواقف عديد الأطراف كاتحاد الشغل وحزب العمال الشيوعي و»الوطد» و«النهضة». فما الذي يفسر «عودة الوعي» التي بدأت تتضح معالمها، هذا الوعي الذي بدا غائبا منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011. وفي ماذا تختلف أحداث «الاثنين الأسود» عن غيرها من الأحداث الخطيرة السابقة؟ الأنّ شبح الفوضى واللاأمن المطلق وانتكاسة الثورة طرق أبواب العاصمة والمدن السياحية الساحلية الكبرى بعد أن كان يبدو لنخبنا أو من نصبوا أنفسهم كذلك بعيدا جدا كأنه يهدد بلادا بعيدة غير بلادنا.. أو منطقة منها معزولة محرومة وقدرها أن تكون كذلك رغم أنهم يتشدقون صبحة وعشية بضرورة تطويرها والقطع مع تهميشها ويدّعون تبني مشاكلها؟. أم لأن رسالة الأحداث الأخيرة كانت واضحة لا لبس فيها، ولا تحتمل أي تأويل، ومفادها أن البيت مهدد بأن يحترق على من فيه؟ إن الاحتمالين اللذين يرفعهما التساؤلان الأخيران يبدوان الاقرب إلى الصواب. فقد عودتنا سياسات العهدين السابقين على الفصل في أذهاننا بين تونسين، تونس الساحلية، الغنية النشيطة الطموحة وتونس المنسية، الفقيرة الكسولة المشاغبة، التي لاتمثل بالنسبة للأخرى سوى مخزن لليد العاملة الموسمية في الفلاحة أو في حضائر البناء، أو في الأشغال المنزلية ـ بالنسبة لبناتها ـ ولذلك فما يحدث بها كان يكاد لا يعنينا إطلاقا وهو فخ سقطت فيه حتى نخبنا ـ أو من تدعى ذلك ـ ولذلك فإن الإشارات الكثيرة المتفرقة التي أتت على امتداد الأشهر الأخيرة لم تلق أي صدى حقيقي، وقنعنا جميعا بـ «الفرجة» عليها كملهاة أو كمأساة لا نهاية لها وغصنا في مهاتراتنا ونقاشاتنا السفسطائية المقطوعة عن واقع البلاد وفي صراع «افتراضي» على النجومية والكراسي وفي التمسك بقوالب ايديولوجية معلبة وشعارات محنطة لا تنطبق إطلاقا على المرحلة التي نعيشها في قطيعة تامة مع «تونس الأعماق» أي تونس الحقيقية. فعموم الشعب، كان في الواقع أكثر ذكاء واستشرافا من نخبه وأكثر احساسا بمصالحه الحقيقية والأولويات المتأكدة في هذه المرحلة. فقد كان هذا الشعب ينشد الأمن والأمان واستقرار الأوضاع حتى يمكن العمل والتخطيط للغد وكانت «النهضة» تجيبه بأن السلفيين بجهادييهم و»طرزاناتهم» هم أبناء تونس ولهم كل الحق في النشاط السياسي، وكانت المعارضة ـ أوشق واسع منها ـ والباحثون عن العنتريات في الشق المقابل يجيبونه ألا مقدسات بعد اليوم وأن حرية «الإبداع» لا حدود ولا ضوابط لها وأنها هي «أقدس المقدسات» والتصدي لكل محاولة للمساس بها هو معركتنا الحقيقية اليوم ضد النوايا «الخبيثة» لأعداء الثورة والشعب. كان المشهد سرياليا بحق وكأنه يتعلق بعالم افتراضي لا ذاك الذي نتحرك فيه وبشعب آخر لا ذلك الذي نعيش بين ظهرانيه حتى جاءت الأحداث الأخيرة لتمثل صفعة مدوية للجميع، أو قل هي سطل ماء بارد ليستفيق البعض من السبات ويدركوا حجم التهديد الماثل الذي يتربص بالجميع ولا يفرق بين حزب وآخر وبين منطقة وأخرى من البلاد بل مقصده البيت ومن فيه. وقديما قال المثل «ورب ضارة نافعة». جمال الدين بوريقة



Juin 2012
LMMJVSD
01 02 03
04 05 06 07 08 09 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
<< >>