كفانا مبادرات !!
Assabah - 2012-06-25Lu 407 fois
يبدو أن هناك خللا في تحليل الوضع العام في البلاد بالنظر لما شهده من تطورات وما واجهه من هزات، وما لحقه من تشويهات لا تليق ببلد في مثل وضعنا، وكاد يقنع الآخرين ويقتنع نهائيا بأنه نجح في تخطي عقبات ما بعد الثورة، وفي ترويض إرهاصات أسوإ النوايا وأخبثها للإطاحة بالحكومة، وفي كبح جماح التيارات السلفية المدفوعة بطوباوية العودة الكلية إلى أولى عهود السلف الصالح، وكذلك في إفحام الجهاديين بأنهم أخطؤوا عنوان ساحة الجهاد، وإفهامهم أن هذا النهج ليس أقوم المسالك، بل نهج استحالة. نورد هذا الكلام بعد أن لوحظ ميل متزايد إلى« إنتـاج» المبادرات وتسريع نسق طرحها، فكلما تتالت الأزمات وأصبح للبلاد «رصيد »معتبر منها، تحل علينا مبادرة أو بوادر مبادرات لم تنتظر الوقت الكافي لكي تنضج. قد نتفهم أسباب طرح مبادرة ما، ونفهم محتواها، لكن نعجز عن إيجاد أهداف واضحة لها وتبريرات مستساغة، لأن الكثيرين ينسون وربما يتناسون أننا في مرحلة انتقالية، وبالتالي هناك رغبة شبه جماعية في تجريد المرحلة من الانتقالي والمؤقت. لماذا نحمّـل المرحلة الانتقالية ما لا يتعين تحميلها من ثقل الأهواء ووزر الرغبات وتلبيسها ما لا يناسبها، فتكون النتيجة أقصى درجات التشويه؟ من مجرد دعوات تطلق هنا وهناك عبر منابر مختلفة، إلى مبادرات تطرح في الساحة السياسية علـّها تجد من يقتنصها لينفخ فيها بالتأييد والمباركة والتشجيع، وأحيانا بعبارات مجاملة، أو ليشبعها تجريحا لأصحابها، وتقزيما لأفكارها، وتتفيها لأهدافها.. في هذا المشهد برزت مبادرة إنشاء المجلس المدني أو التأسيسي الموازي ومبادرة الباجي قائد السبسي، وما طرحه الحزب الجمهوري من تحرك يتمثل في حكومة إنقاذ وطني، ومبادرة محمد القوماني، وأخيرا مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل. ولا شك أن سؤالين مشروعين يطرحان في هذا السياق هما: هل نحن فعلا في حاجة إلى هذا الكم من المبادرات؟ وهل يعني طرحها أن البلاد على حافة الانفجار، بما يترجم وصول البلاد إلى طريق مسدود بفشل المسار الانتقالي المؤسس على نتائج الانتخابات المجراة في 23 أكتوبر 2011؟ قبل كل شيء لا بدّ من الإشارة إلى أن البلاد -من سوء الحظ- دخلت في فترة الاستعداد لانتخابات مقبلة بمجرد الإعلان عن نتائج انتخابات أكتوبر، نتائج أغرت البعض بعدم التفريط في موجة الفوز الأولى، والعمل على إثارة موجة أخرى أكبر، تكون نتائجها أكثر حسما للخريطة السياسية، وصدمت آخرين فسعوا إلى مواجهة الحكومة بالنقد والتجريح وتأليب الشارع، والبحث عبثا عن مظلة أوسع وأكثر أمانا. مع احترامنا لجميع المبادرات لا بدّ من التأكيد أنه لا يجب التغافل عن أن هذه المرحلة انتقالية إلى حين الانتهاء من صياغة الدستور، وتنظيم انتخابات يبدو أن موعدها قد يكون 20 مارس 2013، وبالتالي يتعين ترك الحكومة تمارس نشاطها، وطبعا لا يعني هذا عدم التدخل بالاقتراح والنصح والنقد البناء، فهناك ملفات عديدة مازالت مفتوحة وقضايا معلقة، مثل العدالة الانتقالية، وقضايا الفساد، دون تناسي تزايد عدد العاطلين عن العمل، وتعمق الأزمة الاقتصادية. إننا في فترة انتقالية، كان يفترض أن يكون مشروع الدستور جاهزا للنقاش منذ فترة، بل إن مسائل أخرى مازالت تنتظر مثل الهيئة الوطنية للإشراف على الانتخابات، وسن قانون الأحزاب، والقانون الانتخابي، وتشكيل الهيئة المؤقتة للقضاء العدلي في سياق وفاقي بين نقابة القضاة وجمعية القضاة، والإسراع في صياغة القانون المنظم للإعلام السمعي البصري. نحن أمام جملة من المسائل الآنية لأن موعد الانتخابات المقبلة أصبح معلوما، فيما قد يضعنا مرور الأشهر دون تحقيق نتائج ملموسة في ما يتعلق بالقوانين المذكورة آنفا، أمام وضع جديد من شأنه طرح مدى شرعية الحكومة الحالية، خصوصا بعد 23 أكتوبر، الوعد المحدد للمصادقة على الدستور، وهو ما تمّ طرحه في الآونة الأخيرة في وسائل الإعلام. لذلك لا نرى وجاهة في طرح مبادرات جدّ ظرفية لفترة انتقالية فيها الكثير من التحديات الأمنية والاقتصادية، وبدل تمضية الوقت في دراسة المبادرات لم يتكتل الجميع من أجل جهود موحدة لعمل ملموس، يخفف من معاناة العاطلين ويوفر أفضل الظروف لموسم سياحي ناجح. إننا في أمسّ الحاجة إلى وقفة واحدة، فالحدود تتهددها تسرّبات الإرهابيين وتسريبات الأسلحة.. وكذلك في أمسّ الحاجة إلى عدم الانسياق وراء الأهواء الانتخابية، لأن التفكير في كسب الانتخابات من الآن يعدّ أهواء ونوازع تغلف نظرة ضيقة جدا، فيها من الأنانية الكثير، بفعل تغليب المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية. نور الدين عـــاشــور