شهادة أحد رجالات دولة بورقيبة عن مرحلة استثنائية في تاريخ تونس المعاصر
Assabah - 2012-06-27Lu 393 fois
عادت البورقيبيّة هذه الأيام إلى سطح الأحداث خاصة مع إعلان الباجي قائد السبسي الوزير الأوّل الأسبق عن ميلاد حركته السياسيّة نداء تونس. ولئن عاب الملاحظون على صاحب المبادرة السياسية الجديدة أنه يستغلّ الإرث البورقيبي في إطار مناورات سياسية وحسابات خاصة فإن ذلك لا يمنع من القول أن سياسة بورقيبة ونضاله ضمن الحركة الوطنية المقاومة للإستعمار وشخصيته إلخ قد عادت إلى الأذهان وليس اليوم فقط وإنما منذ انتصار الثورة الشعبية وأصبحت في كثير من الأحيان منطلقا للحديث والنقاش وحتى الجدل في مختلف الأماكن التي يطرح فيها الشأن العام للبلاد على النقاش. لكن هل نعرف فعلا كل شيء عن شخصية بورقيبة الرجل الذي شغل الناس في فترة ما من تاريخ تونس المعاصر ومازال يثير حوله عديد الأسئلة؟ إن شخصية بورقيبة تبقى ورغم الكم الكبير من النصوص المحبّرة عنه ورغم شهادات من عاصروه أو واكبوه ورغم ما يقال بشأنه ورغم ما يثيره تاريخه النضالي وأسلوبه في قيادة الدولة التونسية لمدة طويلة ومشروعه الحداثي لتونس من مواقف متناقضة تبقى مثيرة للفضول خاصة لدى الأجيال التونسية الجديدة التي لا تعرف عنه إلا القليل وما تلقته عن الآباء والأجداد. الكتاب في قلب الحدث لذلك ربما لا نجانب الصواب عندما نعتبر كتاب الهادي مبروك "أوراق الخريف" الذي صدر مؤخرا عن دار الجنوب للنشر بتونس ومؤلفه أحد الوجوه الديبلوماسية الشهيرة في بلادنا وقد كان آخر وزير خارجية للرئيس بورقيبة قد جاء في وقته. إن صدور الكتاب ولئن نشر بعد وفاة صاحبه بسنوات بعد أن شدد نجله سامي مبروك في جلسة لتقديمه ببيت الحكمة بقرطاج على أن الظروف خلال حكم الرئيس المخلوع بن علي لم تكن لتسمح بإصداره وأنه اضطر لانتظار الثورة الشعبية للإفراج على المادة التي أعدها والده قصد نشرها, إن صدوره بعد كل هذه الفترة لم يجعله يفقد آنيته بل يعتبر في قلب الحدث. فمؤلف الكتاب الراحل الهادي مبروك كان أحد معاوني بورقيبة وممن واكبوه وكانوا شهود عيان على مختلف المواقف والأحداث التي كان بورقيبة أحد أبرز الفاعلين فيها. لابد من الإشارة بالمناسبة إلى أن الكاتب أظهر حرصا على أن لا يفهم على أنه يسعى لتصنيف نفسه ضمن كبار الكتاب أو ضمن رجالات التاريخ فكل ما في الأمر حسب الهادي مبروك أنه كان شاهد عيان في عدد من المناسبات على مراحل مهمة في تاريخ تونس وأنه أراد أن يوثق لها خاصة وأنه لم يكن بحكم مسؤولياته بالدولة مجرد ملاحظ وإنما فاعل كذلك. تقلّب الهادي مبروك في عدد من المناصب بالدولة نذكر من بينها بالخصوص تولّيه منصب الوالي بعدد من الولايات الحدودية بتونس ومثّل بلادنا لسنوات طويلة في فرنسا فقد كان سفيرا لتونس بفرنسا وتوج هذه التجربة بتولي منصب وزير الشؤون الخارجية وهو منصب لم يستمر فيه طويلا بحكم تنحية بورقيبة من الحكم سنة 1987. وهو ما جعله شاهدا على مرحلة مهمة في تاريخنا المعاصر وترك لنا ورقات كتبت بعناية كبيرة وكانت عبارة عن شهادة ثمينة حول شخصية بورقيبة. فبحكم تردّد الزعيم باستمرار على فرنسا سواء في إطار زيارات رسمية أو خاصة فإن الهادي مبروك كان غالبا ما يلتقي به هناك. وهو ما سمح له بأن يقترب منه وبأن يعرفه جيدا. صحيح لم يخف الهادي مبروك اعجابه الكبير ببورقيبة الذي لم يتردد في وصفه بالأسطورة ولم يخف تقديره له ولا انبهاره به لكنه حاول أن يكون موضوعيا في نقل شهاداته. حتى أنه مثلا اعترف بأن بورقيبة كان ممثلا موهوبا وأنه كان يستعمل هذه الموهبة لفرض وجهة نظره. وعلى سبيل الذكر فإنه تحدث عن المقابلة التي جمعت بين بورقيبة والزعيم فرحات حشاد حول تحالف النقابة التونسية مع النقابات الشيوعية في حين كان بورقيبة يحبذ الطرف الأمريكي. وقد عمد بورقيبة إلى إظهار غضب كبير حتى أنه مزق قميصه مما اضطر الزعيم فرحات حشاد إلى الموافقة على رأي مخاطبه. وبمجرد أن حقق بورقيبة مطلبه كشف أنه قام بدور مسرحي أمام فرحات حشاد وأن المشهد لم يكلفه أكثر من قميص. وقد استغل الكاتب هذا المشهد المسرحي لينفي عن بورقيبة الصفة التي يروجها عنه الكثيرون والتي تقول بأنه كان سريع الغضب. بالنّسبة للهادي مبروك كان بورقيبة يتظاهر بالغضب الشديد حتى يؤثّر في مخاطبه مما يجعله يربح الوقت والجهد. الإيحاء بدل الخطاب المباشر لا يخدم الجيل الجديد من القراء وعلى امتداد صفحات الكتاب الذي خصص جانبا هاما للصور وأغلبها صورا تعبر عن العصر وهي مهمة بحكم دلالاتها التاريخية ما انفك الكاتب يدافع عن الزعيم بورقيبة وعن مواقفه السياسية وعن بعد نظره. بذل الكاتب جهدا كبيرا ليؤكد على الوزن الذي كان يتمتع به بورقيبة على الساحة السياسية الدوليّة وبالمكانة التي كان يحظى بها بين زعماء العالم وكيف أنه بحكمته ودهائه السياسي تمكن من أن يجعل الفرنسيين بمختلف انتماءاتهم السياسية في صف تونس, يهرعون لمساعدتها كلما طلبت ذلك. لم تكن تونس تحظى بالاحترام في عهد بورقيبة في فرنسا فحسب بل بعدد كبير من بلدان العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تستقبله استقبال الكبار. ولئن أكد الهادي مبروك في مناسبات عديدة أنه كان يحظى بالاحترام في فرنسا وأن أبواب حكام اليمين واليسار كانت مفتوحة له دائما وأنه كانت له صداقات متينة لدى مختلف الأوساط الفرنسية وظفها لصالح تونس فإنه شدد أن الشرف الذي ناله في فرنسا يعود بالأساس إلى أنه كان يمثل دولة كانت تقودها شخصية من طراز بورقيبة. تحدث في عدد من المرات كيف أن رؤساء فرنسا كانوا يفرشون السجاد الأحمر لبورقيبة كلما زار بلدهم حتى وإن كانت زيارته لأسباب شخصية جدا وكيف أن رؤساء فرنسا كانوا ينتقلون إلى السفارة التونسية (نادرا ما يفعلون ذلك مع شخصية سياسية أخرى) لزيارة بورقيبة في إقامته بالسفارة. تعددت الشواهد في هذا الكتاب التي تؤكد سرعة بديهة الزعيم بورقيبة وبعد نظره سواء تعلق الأمر بالسياسة الداخلية أو الخارجية. مثل الكتاب فرصة بطبيعة الحال لتكريم عدد هام من الزعماء الوطنيين بالبلاد وعدد خصالهم وفي نفس الوقت نبه الكاتب إلى وجود شخصيات انتهازية عبر تاريخنا ولم يخل منها عهد بورقيبة وربما يقودنا هذا الأمر إلى أن نسوق الملاحظة التالية. لقد تحدث الهادي مبروك عن بعض الشخصيات الانتهازية وقدم بعض الأوصاف لكن من الصعب على الأجيال الجديدة أن تعرفها من خلال هذه الأوصاف وربما نتساءل في هذا السياق لم اللجوء إلى الإيحاء وعدم ذكر الأسماء والحال أن الكاتب أراد أن يقدم شهادته على العصر. لذلك إن كان لابد من نقد لهذا الكتاب الذي اعتمد على لغة فرنسية أنيقة جدا وعلى أسلوب متميز لا يخلو من تشويق فإن النقد يشمل هذا الجانب. فقليل جدا من القراء من أجيال يمكنهم أن يفقهوا عمن يتكلم الهادي مبروك بإيحاءاته لماذا اختار أن يتخفى وراء التلميح. حياة السايب