قصة 20 ساعة من البحث لانتشال غريق سدّ الهوارب بحفّوز

Al Anouar - 2008-09-24
Lu 1301 fois

في حدود الساعة الثامنة صباحا من يوم السبت الماضي الموافق للثالث عشر من رمضان، اشرأبت الاعناق وتعالى الصياح والبُكاء من جموع الحاضرين الذين تدافعوا بكل قوة على ضفاف البحيرة الصغيرة المحاذية لسد الهوارب الواقع غرب مدينة حفوز وهم يتابعون بكل «بهتة» تحركات  فرق الانقاذ والغوص للحماية المدنية بتونس التي نجحت في انتشال جثة الشاب الطيب السالمي البالغ من العمر 24 سنة بعد ان بقي راسبا في عمق المياه لمدة عشرين ساعة كاملة مرت دقائقها ولحظاتها تعيسة وعصيبة على كل الحاضرين والوافدين... وبعد ان عجز فريقا الحماية المدنية بالقيروان وسوسة في العثور عليه واخراجه في عديد المحاولات التي انتهت جميعها بالفشل.
بداية الحادثة
... في أواخر الاسبوع الماضي من شهر رمضان المعظم ضربت فيها الحرارة موعدا عسيرا مع الصائمين الصابرين.. شمس محرقة.. سراب في كل مكان ينفث بخاره ويصهد وجوه كل الذين يسيرون ويعملون تحت قرص النار والكادحين الذين يسعون الى رزقهم بعيدا عن دائرة الظل.
أشارت الساعة الى حدود الواحدة والنصف بعد الزوال صعد رئيس الحضيرة في جولة تفقدية وتمشى فوق المرتفعات الصخرية العائمة مع أعواد القصب والاغصان المشوكة المطلة على جسر سد الهوارب الكبير وجال ببصره.. وفجأة أوقف عدسة المنظار عند مشهد ألزم عليه حالة من الذهول والوجوم حين لمح من بعيد أحد حراس الغابة وهو شاب يبلغ من العمر 24 سنة انتُدب للعمل منذ خمس سنوات يربط فرسه عند جذع شجرة على حافلة البحيرة.. خلع قميصه وألقى به فوق الصخرة العالية التي يقف عندها ثم ارتمى في بركة المياه.
أراد الشاب ان يخفف عنه وطأة الجوع والعطش وان يهرب ولو لفترة وجيزة من حر الشمس وضوء النهار ولم يكن المسكين يعرف انه ارتمى في فجوة الخطر وحضن الموت.
استغاثة
صاح المراقب من أعلى ربوته الشاهقة بكل قوة طالبا الغوث.. فبلغت الصيحة التي ارتجت لها المرتفعات والمنخفضات وبلغ صداها سكان المناطق القريبة والقرى المجاورة... هرع السامعون من كل حدب وصوب في اتجاه الصياح المسترسل.. فتجمع البعض على طول الحزام الممتد على الغابة والبعض الآخر فوق الجسر العالي. أما الشبان فقد ارتمى كل الذين يجيدون فن العوم بأنفسهم في الماء كالحيتان الثائرة بحثا عن الغريق.. تحركت السواعد وتخبطت وزحف السبّاحون في كل الاتجاهات حتى أصابهم الاعياء والاجهاد.. لكن دون نتيجة.
.. وصل الخبر بسرعة الى رجال الحرس الوطني بالشبيكة وحفوز الذين حلوا بالكان بعد ان أعلموا فريق الحماية المدنية بالقيروان، فانطلقت عملية البحث والانقاذ الاولى وبصفة رسمية على الساعة الثالثة والنصف مساءً وقام خلالها الاعوان بتمشيط المساحة الكاملة للمياه بما أتيح لهم من وسائل بسيطة ومتواضعة وعجزوا عن استكشاف جثة الهالك واخراجها من قاع الحبيرة واعلموا الحاضرين بأن مهمتهم قد فشلت.. بل أصبحت شبه مستحيلة وهمّوا بجمع لوازمهم.
اعتصام بالطريق العام
نزل الخبر نزول الصاعقدة على أهل الضحية وأقاربه فتوجهت حشود غفيرة نحو الطريق واعتصموا عند المفترق الذي يفترع نحو حفوز والحاجب وسيدي علي بن نصرالله... كانت الملامح شاحبة وحزينة والافواه جافة ويابسة والنفوس يائسة وجزعة.. مشهد أجبر كل سواق السيارات والشاحنات على التوقف واعتقدوا بأن الموكب يحمل جنازة وهم لا يدركون ان الوفاة قد حصلت ولكن الجثة بقيت ممددة في أعماق المياه توقفت حركة المرور لمدة ساعة تقريبا واحتشد معها جموع غفيرة من المواطنين والعابرين سرعان ما تفرقت مع حلول السلط المحلية والامنية الذين تعاطفوا مع المجموعة.
فريق ثان
اتخذت كل الاجراءات وكل التدابير السريعة لإيجاد الحلول الكفيلة من اجل استخراج جثة الشاب من البُحيرة ووقع التنسيق مع فريق من الغواصين التابعين لإقليم سوسة.. وفي تمام الساعة السادسة مساءً حل الفريق بالمكان بتجهيزات أكثر تطورا واستعملوا زورقا بالمحرك ونزل أعوان منهم وقاموا بمسح الموقع في أكثر من مناسبة حتى داهمهم موعد توقيت الافطار دون ان يتوصلوا الى نتيجة.
ورغم موجة الحزن والكآبة التي عمت المكان والشعور بالقلق والتوتر لدى الحاضرين الا ان الجهود تضافرت بين السلط المحلية بحفوز والشبيكة وأهالي منطقة عين غراب الذين جهزوا طعام الافطار للجميع... في الهواء وعلى الاضواء الكاشفة.
وتدخلات عاجلة سجلناها من خلال مواكبتنا لمختلف مراحل البحث والتفتيش تمثلت في حضور جمع من المسؤولين من رجال السلطة المحلية والاطارات الامنية ورؤساء مراكز الحرس الوطني والحماية المدنية.. وفي هذا الصدد نشير الى ان السيد ياسين بربوش والي القيروان كان يتابع عبر مكالماته الهاتفية المسترسلة كل العمليات وأبلغ تعازيه الحارة لأسرة الفقيد ثم أذن بتسخير فريق آخر مختص في الغوص من العاصمة ليواصل البحث.
انتشال الجثة
مع طلوع فجر اليوم الموالي نزل فريق من الغوّاصين للحماية المدنية بتونس وشرعوا في عملية البحث بطريقة حرفية حتى تمكنوا من انتشال جثة الشاب بحضور ممثل عن النيابة العمومية الذي عاينها ثم أمر بنقلها الى أقسام الطب الشرعي.
وقد أعربت مجموعة من شبان منطقة عين غراب عن تشكراتهم لكل الاطارات والأعوان على تعاطفهم ومجهوداتهم وناشدوا الدوائر المسؤولة مزيد العناية والحماية وان تتحول برك الموت الى محميات وفضاءات سياحية.
* عبد الحميد السالمي



Septembre 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06 07
08 09 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30
<< >>