الطفل مستقبل المجتمع

Assabah - 2012-07-03
Lu 404 fois

بقلم الأستاذ الصادق بلعيد (*) لا جدال أن البلاد التونسية أنجزت منذ السنوات الأولى من الاستقلال الكثير في ما يخص الاعتناء بالطفولة والشباب، وذلك في الميدان التربوي وفي ميدان الرعاية الصحية للأطفال والأمهات، وتتميز تونس بإصدار العديد من التشريعات مثل « مجلة حماية الطفل» في 9 نوفمبر،1995 وبإحداث العديد من المؤسسات المعنية بالطفولة والشباب، وإن البلاد التونسية كانت من الدول السباقة إلى الموافقة على المعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بهذا الشأن، ونخص بالذكر «إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الطفل « وكذلك « اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل « والبروتوكول الأول والثاني التابعان لهذه الاتفاقية، ونأمل أن تنضم قريبا بلادنا إلى البروتوكول الثالث الذي صادقت عليه مؤخرا الأمم المتحدة. إلا أنه من الواجب علينا أن ننظر إلى الحقائق على أرض الواقع، هنا، يبدو المشهد متناقضا لحد ما، هذا التناقض يتمثل في أن إلى جانب ذلك الوجه الإيجابي، هناك الوجه السلبي الذي يتمثل في النقائص التي كبلت المنظومة التونسية في ميدان رعاية الطفل مثل : - الفوارق الكبيرة في معالجة شؤون الطفل بين الجهات الجهات الداخلية مقارنة مع الجهات الساحلية، والمجموعات الحضرية مقارنة بالمجموعات الريفية، والفئات الفقيرة مقارنة مع الفئات الميسورة. - المعاملة غير الملائمة للطفل سواء كان ذلك في المحيط العائلي أو في إطار المؤسسات المكلفة برعاية الطفل مع انتشار التعذيب وشتى السلوكيات المهينة والمؤلمة. - قلة نجاعة الهياكل الاجتماعية والإدارية والقضائية المعنية بحماية الطفل والوسائل البشرية والمادية والمالية المتوفرة لهذا الغرض. - عدم نجاعة أوغياب الهياكل المكلفة بمراقبة تصرف المصالح العامة المكلفة بحماية الطفل وفقدان هيكل مستقل وفعال لتقصي الحقائق حول كل أنواع التجاوزات ومتابعة مقترفيها. إن تدارك كل هذه الأخطاء ونقاط الضعف يتطلب مجهودا عظيما و متعدد الاختصاصات يجب أن يرقى إلى المستوى الدستوري خصوصا؛ لماذا الدستور بالذات؟ - إن الإجابة على هذا السؤال هي بالأساس كالتالي : 1- الدستور هو النص الأول الذي يعبر عن المنظومة السياسية و الثقافية و الاجتماعية و الحضارية للبلاد، ويتضمن الإعلان عن الحقوق والحريات الأساسية المعترف بها لجميع المواطنين ولمختلف الطبقات والفئات التي يتركب منها المجتمع، وفي هذا الصدد، فإنه من المشروع أن يحتوي الدستور على المبادئ المهيكلة لحقوق الطفل نظرا لامتيازه باستحقاقات يختص بها. 2- إن التنصيص في صلب الدستور على هذه الحقوق الخاصة بالطفل من شأنه أن يرفع عنه المظلمة الاجتماعية التي تعتبر الطفل بمثابة العنصر الصامت في المجتمع وحتى في الكثير من الحالات، العنصر المهضوم الحقوق، وعلى هذا الأساس، يتعين علينا أن ننظر إلى الطفل بكونه عضوا أساسيا في المجتمع يتمتع بشخصية قانونية واسعة، من الواجب الاعتراف بها والسهر على تفعيلها من طرف جميع الأطراف المعنية، و كيف لا، والحال أن الطفل يمثل في بلادنا أكثر من ثلث السكان (3.400.000) وهو المنشأ والمصدر للمجتمع المكتمل ؛ في هذا الصدد بالذات، يجدر بنا أن نذكر أن من بين المبادرات التشريعية الطلائعية التي أقدمت عليها تونس هناك الاعتراف للطفل حال بلوغه الثامنة عشر من العمر، بالشخصية المدنية والسياسية الكاملة وبالمشاركة على قدم المساواة مع من سبقه من الأجيال، في التعبير عن الإرادة الوطنية والمشاركة في القرارات العامة. لكن وفي آن واحد، لا يجوز أن ننسى أن الطفل يعاني في نسبة كبيرة من وضعية المستضعف التي يفرضها عليه المجتمع، أو بعبارة أوضح، إن الطفل في حالته المخجلة التي يعيش فيها ما بين 300.000 و 500.000 من أطفالنا، هي المرآة التي تعكس كل المساوي والنقائص الخطيرة التي يعاني منها ما يسمى «المجتمع العاقل» والتي يكون ضحية لها ذلك الطفل المستضعف الصامت ، من هنا، يترتب علينا أن نعلن حقيقة حقوق الطفل وعلويتها حتى يدرك أهميتها الخاص والعام وحتى يكونوا جميعا على بينة كاملة منها. من جهة أخرى، فإنه يتعين أن توضع منظومة قانونية مركزة على مجموعة من المبادئ يقل الاختلاف حولها في المجتمع المعاصر واعتمدتها أغلبية التشريعات في العالم اليوم ؛ وهذه المبادئ تؤكد على أن الطفل هو صاحب حقوق، وأنه من حقه أن يتمتع بها وأن يمارسها بمشاركته الواعية والفعلية، كذلك، تؤكد هذه المبادئ على أن تكون معالجة مشاكل الطفل وتسيير شؤونه مقيدة ومنبثقة من المصلحة الفضلى الخاصة به ومن ظروفه وحاجياته الشخصية، كما أن هذه المبادئ تضمن للطفل، مهما كان، المعاملة الحسنة والخالية من كل تمييز، مهما كان نوعه. إن المبادئ الحامية لحقوق الطفل لا تكتفي بالتصريح بمحتواها، بل إنها تعتني بصفة خاصة بتفعيلها على أرض الواقع وبفرض احترامها على كل الأطراف المعنية في المجتمع المدني وكذلك على كل المؤسسات الحكومية والإدارية والقضائية المكلفة برعاية مصالح الأطفال، لهذه الأسباب، فإنه يكون من الواجب أن يتضمن الدستور إشارة واضحة إلى وضع هيئة وطنية مستقلة تعنى بمراقبة كيفية تفعيل هذه الحقوق والضمانات من طرف مختلف الجهات العمومية أو الخاصة ذات النظر. إن هذه المقترحات لا تفرض نفسها فقط لكونها ترمي إلى رفع المظالم عن فئة مستضعفة من الشعب، بل أنها تكتسب مشروعية عالية لكونها تمثل حقا مشروعا ودينا ثابتا ومسبوقا لصالح الشباب، لأن الثورة المباركة هي بالأساس ثورة الشباب، وأنه من واجبنا أن نرد الجميل إلى تلك الفئة من الشعب التي أسهمت في إنقاذ البلاد. كذلك، أن تونس إذ من حقها أن تفتخر بكونها كانت من الدول السباقة في ميدان رعاية الطفل، فإنه يكون بالأحرى بها، وهي صانعة ثورة الربيع العربي، أن تكون في مقدمة البلاد التي ستعطي حقوق الطفل حق قدرها وذلك بإدراجها في الدستور كأفضل شهادة عن عزمها على احترام تلك الحقوق الأساسية. ---------- () العميد السابق لكلية الحقوق بتونس



Juillet 2012
LMMJVSD
01
02 03 04 05 06 07 08
09 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31
<< >>