حين تطالب الجزائر حكومتنا بالإنضباط الدبلوماسي...
Assabah - 2012-07-04Lu 375 fois
عشنا على مدى أيام فسيفساء من الأحداث السياسية المتراكمة، بعضها مرت مرور الكرام، وبعضها الآخر استرعت انتباه الرأي العام وأثارت اندهاش الجميع واستغرابهم، وحصول لبس لدى المواطن التونسي وقد يفقده الثقة ليس فقط في الحكومة بل أيضا في السياسة ورجالاتها.. ومن بين الأحداث المثيرة التي تعطي برهانا للقرارات المرتجلة والمتسرعة لبعض أعضاء الحكومة ما صرح به عبد الله التريكي كاتب الدولة للخارجية الذي صرح بشكل قاطع أن بداية تطبيق حزمة الحريات الخمس والسماح للمواطنين المغاربة بدخول بلادنا بمجرد الاستظهار ببطاقة تعريف وطنية، مع حق العمل والتملك والانتخاب.. بداية من غرة جويلية الجاري. قرار خلف ردود فعل رافضة ومستنكرة لسرعة اتخاذ القرار دون تشاور أو دراسة ضافية وشاملة لانعكاساته السلبية أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، وجدواه.. أو على الأقل توقيع اتفاقية تضمن التعامل بالمثل لمثل تلك القرارات.. وما زاد في استغراب الموقف، نفي وزير الخارجية رفيق عبد السلام قرار الحكومة التخلي عن شرط جواز السفر لدخول المغاربيين، ووصف تصريح التريكي بالمواقف المبدئية التي تحتاج إلى عرضها على القمة المغاربية قبل المصادقة عليها..؟ اللافت للانتباه أن الدول المغاربية نفسها على غرار الجزائر أبدت على لسان بعض مسؤوليها مواقف نشرت في وسائل الإعلام تفيد تفاجؤها من القرار التونسي وسرعة اتخاذه، خاصة أنها لم تتلق أي إشعار لقرب تنفيذ تلك المقترحات، إلى حدّ أن وصل بمسؤول بالخارجية الجزائرية مطالبة تونس بـ»الانضباط السياسي».. بعد أن أكدت السلطات الجزائرية قبل ذلك رفضها دخول مواطنيها إلى تونس دون جوازات سفر لدواع أمنية وقالت أن قرار تونس كان استباقيا ولم يكن بعد استشارة ثنائية.. هل وصل حال تونس، وحال الأداء السياسي المتذبذب للحكومة إلى حدّ صدور دعوة مهينة من دبلوماسي جزائري يعطينا دروسا في الدبلوماسية ويطالبنا بالانضباط الدبلوماسي..؟ وأين التنسيق والتشاور داخل الحكومة؟ وكيف لكاتب الدولة أن يصرح بصفة تقريرية عن تطبيق تونس من جانب واحد لمبدإ الحريات الخمس دون تنسيق مع وزير الخارجية، أو مع رئيس الدولة الذي كان أول من دعا إليها بمناسبة جولته المغاربية.؟؟ إن المنطق يفترض وجود قدر من التحفظ السياسي لكل أعضاء الحكومة قبل الإدلاء بتصريحات مرتجلة من شأنها إثارة الرأي العام وإدخال البلبلة، فما بالك بإجراءات تتطلب تنسيقا ثنائيا ومغاربيا ومشاورات سياسية مكثفة بين الدول المغاربية المعنية حتى يكون التطبيق سلسا ويخضع لمنطق التدرج مع أخذ كافة مستلزمات الحذر من كل تداعيات سلبية محتملة.. منذ تسلمها لمقاليد الحكم، لم تفلح الحكومة الانتقالية الجديدة في إرساء آليات حقيقية للحوار الوطني، آليات ثابتة ومستمرة، تكون بابا لمناقشة الخلافات السياسية، والتشاور بشأن الملفات الكبرى والمسائل المعقدة وطرح الحلول وتبادل الآراء.. وهو ما أدى بالمشهد السياسي اليوم إلى مفترق طرق، وحصول أزمة حقيقية داخل «الترويكا» نفسها. أزمة نتجت عن تراكم خلافات في وجهات النظر، وقراءات سياسية وقانونية متضادة ومتباينة لعدة ملفات حارقة. لعل أبرزها قضية تسليم البغدادي المحمودي، وإقالة محافظ البنك المركزي كمال النابلي، وما رافقها من سجال قانوني وجدل سياسي بين رئيس الحكومة، ورئيس الجمهورية.. لم تنته معالمه بعد. كما لا ننسى موجة الانتقادات اللاذعة ضد الحكومة التي أطلقها مستشارو رئيس الجمهورية، وما خلفته من استياء رئاسة الحكومة التي لم تتوقع أن يأتيها النقد من «نيران صديقة»، انتهت باستقالة احد المستشارين وتوجيه لوم للبقية.. ورغم أن البعض يرى أن الخلاف داخل «الترويكا» أمر عادي ومحمود ولا يمكن أن ينال من تماسكها، إلا أن آخرين نبهوا أكثر من مرة إلى خطورة تنامي تلك الخلافات في وجهات النظر خاصة إذا مست مسائل حساسة على درجة كبيرة من الأهمية. ورغم أن البعض قد لا يتفق على وصف الوضع السياسي الراهن بـ»الأزمة السياسية»، ويصرّ على وصفه بـ»الحالة العادية» تمر بها أعتى الديمقراطيات.. إلا أن الأمر كذلك بالنسبة لمعظم السياسيين والمراقبين والفاعلين على الساحة الوطنية، قد يكون الخلاف السياسي عادي في علاقة بين حكومة ومعارضة، لكن تكرر الخلافات والتوتر بين الائتلاف الثلاثي الحاكم دون تطويقه في الإبان أمر خطير ويستدعي التدخل العاجل.. فقد بات من المهم الآن، بل من الضروري لحكومتنا من أن تنظر لنفسها في المرآة وتسعى لرأب الصدع الذي ضرب هيكل الائتلاف الثلاثي وربما يهدد بحصول نتائج سلبية لا يمكن بأيّة حال أن تكون مفيدة للصالح الوطني. قبل أيام طرح اتحاد الشغل مبادرة سياسية فاق تجاوب القوى السياسية معها معارضة وحكومة التوقعات. وأيدها الجميع خاصة أنها تقترح تشكيل مجلس حوار وطني يجمع كل الفاعلين السياسيين يكون منبرا للتشاور وتبادل الآراء بخصوص أمهات القضايا الوطنية. لقد أدخل أداء الحكومة المتذبذب وتصريحات بعض الوزراء وطريقة تعاطيهم مع بعض الملفات الساخنة، والصراع بين الرئاسات الثلاث، والخلافات السياسية وفي وجهات النظر بينها.. الكثير من الإرباك ليس فقط على الساحة السياسية الوطنية، بل أيضا على الرأي العام والمواطن التونسي العادي. هذا دون نسيان التباطؤ المؤسسي، والتقريري في عدة مسائل أخرى مهمة للغاية زادت في تعقيد المشهد وضبابية المسار الانتقالي مثل عدم وضع روزنامة واضحة ومحددة للموعد الانتخابي المقبل، تعطل تشكيل هيئة مستقلة للانتخابات، عدم تحديد جلسة عامة لمناقشة قانون إرساء الهيئة الوقتية للقضاة.. رفيق بن عبد الله